فهرس الكتاب

الصفحة 23829 من 27345

وقد دعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس جميعًا إلى الإسلام، فدخلوا فيه أفواجًا؛ دخل فيه سلمان الفارسي، وكان من الصحابة الأولين، ومن المقرّبين من نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى قال فيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يروى عنه: «سلمان منا آل البيت» . وولاّه عمر بن الخطّاب المدائن. ودخل فيه بلال الحبشي الأسود، وكان من الأوّلين ومن المقرّبين، وهو مؤذن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإمام المؤذنين. ودخل فيه صهيب الرومي، وكان هو الآخر من الأولين المقربين، وهو إمام المضّحين بأموالهم ونفوسهم في سبيل الله. ذلك أنه لما أسلم بمكة، وأراد الهجرة منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل اللّه سبحانه فيه قوله: ? وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ? [البقرة 207] . ودخل فيه أبو المنذر أبي بن كعب اليهودي، وكان سيّدًا من سادات القرآن حفظًا وتفسيرًا. أخرج الشيخان عن أنسٍ قال: قال رسول اللّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) لأُبيّ بنِ كَعْبٍ: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ? لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا ? (سورة البينة) قال: وسماني لك؟ قال: نعم» قال فبكى (فرحًا بهذا الشرف) .

إنّ التمييز العنصري القائم على العرق واللون مما حرّمه الإسلام، واعتبره عصبية جاهلية منتنة. عن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية» . (أبو داود) وعن جُنْدُبِ بن عبدِ اللّهِ الْبَجَلِيّ. قال: قال رسول اللّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من قاتل تحت راية عمّيّة، يدعو عصبية، أو ينصر عصبية، فَقِتْلَةٌ جاهلية» (مسلم) .

وأما في الغرب، فإنّه وإن كانت هناك جملة كبيرة من القوانين التي تمنع التمييز، وتقاومه، إلاّ أنّها لم تلامس عقلية الكثيرين من الغربيين ونفسيتهم. فحوادث التمييز العنصري القائم على العرق واللون أكثر من أن تعدّ في المجتمع الغربي، وسجون الولايات المتحدة وفرنسا، ونشأة الأحزاب القومية في أوروبا، أكبر شاهد على ذلك. وفي خطاب للرئيس الأميركي السابق، كلينتون، في جامعة كاليفورنيا عام 1997م قال فيه، ما يعدّ شهادة تاريخية عن وضع التمييز العنصري في أميركا دعيّة الحرية:"لقد ولدنا بإعلان استقلال أكد أننا جميعا خلقنا متساوين، ودستور يكرّس العبودية، خضنا حربًا أهلية دموية من أجل إلغاء العبودية، ولكننا بقينا وبحسب القانون لمدة قرن غير متساوين. عبرنا القارة قدمًا باسم الحرية، وبينما كنّا نصنع ذلك طردنا الأميركيين الأصليين من الأرض. نرحب بالمهاجرين، ولكن موجة جديدة منهم شعرت بلسع التمييز".

إنّ نجاح الإسلام في إذابة الفروق، فرق العرق واللون، في المجتمع الإسلامي يعود إلى إيمان معتنقيه بأنّه الحقّ من ربّ العالمين، وأنّ التمييز حرام يعاقب عليه الله يوم القيامة. فالإسلام يغرس في نفوس أتباعه فكرة"كلّكم من آدم، وآدم من تراب"فلا فرق بين البشر إلاّ بالتقوى.

وأمّا فشل الغرب في القضاء على النزعة العنصرية في مجتمعه، فيعود إلى أنّ القانون لا يلتزم به قناعة فيه، وإيمانا بأنّه الحقّ، إنما خوفًا من العقاب الدنيوي. لذلك، فإنّ الكثيرين في الغرب يبطنون التمييز، ويعتقدون أفضليتهم على الآخرين لمجرّد كونهم ولدوا بيضًا أو أوروبيين. وكلّما سنحت الفرصة بإظهار قناعتهم أظهروها، والشاهد عليه ما لاقاه اليابانيون في أميركا أثناء الحرب العالمية الثانية من اضطهاد، وما يلاقيه السود من تمييز عنصري، حتى إنّ غور فيدال قال خلال حرب الخليج"بأنه ليس شديد القلق من صدّام؛ لأنه ليس أسوأ من شرطة لوس أنجلوس. وكان أفراد من شرطة لوس أنجلوس صُوّروا لتوّهم على شريط فيديو وهم ينهالون بالضرب على مشبوه أسود." (نقلا عن كتاب «ساعتان هزتا العالم» ص70 لفريد هاليداي) ، والشاهد أيضا ما يلاقيه المسلمون من تحقير ومهانة، وتمييز بعد أحداث 11/9/ 2001م بناء على قانون"التعبئة ضدّ الإرهاب"المدعوم بقانون من قبله هو قانون"الأدلة السرّية".

السيد أحمد إدريس المشهداني

مفهوم التسامح بين الإسلام والغرب(2)

إنّ الرأسمالية التي سادت العالم بأكمله، وملكت الدنيا واكتسحت بسطوتها الكون، فَعَنَتْ لها وجوه ونُكست رؤوس، هي حضارة مولعة بتزوير الحقائق، ومغرمة بإخفاء الوقائع، فلا يعنيها طلب الصدق، ولا يشغلها إحقاق الحقّ وإبطال الباطل بقدر ما يعنيها ويشغلها مقدار الدماء التي مُصّت، وكمية الثروات التي نُهبت، والمنفعة التي حصّلت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت