فهرس الكتاب

الصفحة 23864 من 27345

ولقد عرف سيد محمد نقيب العطاس السعادة بطريقة مماثلة لتعريف ابن مسكويه ؛ فجعل لها ثلاثة مستويات لم يكن من ضمن هذه المستويات مجرد الشعور باللذة ؛ فجعل المستوى الأول متصلًا بالأحوال السيكولوجية والدنيوية والتي يمكن وصفها بأنها عواطف وأحاسيس يتم إشباعها عن طريق السلوك القويم المتناغم مع الفضيلة ؛ والمستوى الثاني هو مستوى التحمل واختبار استقامة الفرد في السراء والضراء وفي هذا المستوى تضمحل احتياجات الفرد ، والمستوى الثالث تمثله السعادة في الآخرة وقمة سعادة هذا المستوى رؤية الله سبحانه وتعالى [18]

سنذكر بعض الملاحظات المختصرة على هذه التعريفات ، فالتعريف المعاصر للسعادة - بانها مجرد أحاسيس وعواطف -تعريف ذاتي لا يقصى الأحاسيس والشعور الناتجة عن النشاطات الهابطة ، ولا يلتزم هذا التعريف بوجوب موافقة شعور الفضيلة ، وتعريف مرتبة الفضيلة المحضة مثالي قد لا تتحقق أحواله في واقع الأمر . أما تعريف السعادة المتحققة في الحياة الآخرة بأنها سعادة مطلقة أمر جائز جاءت به الأخبار الصحيحة ، وسوف نرد على اعتراضات جان كزانوف التي تتخيل وجود سعادة مطلقة ، أما تعريف السعادة - بأنها حال يمكن أن يتصف به الفرد في حال التحمل الذي قد يصبه ألم والذي يخلو من الشعور باللذة - فإنه يصعب قبوله.

والتعريف الذي نختاره والذي هو موافق للسنة هو التعريف الأول: الذي تلبي فيه رغبات البدن والحس باعتدال ؛ بالإضافة للالتزام بالفضيلة.

السعادة والغاية القصوى للإنسان:

الغاية القصوى هي الغاية التي يطلبها الإنسان لذاتها ؛ وليست وسيلة لغيرها إذا سألنا طالبًا وقلنا له: لماذا تريد أن تذاكر؟ يقول لأنجح وأتحصل على شهادة جامعية وإذا سألناه: لماذا تريد الشهادة الجامعية ؟ يقول لأني أريد أن أجد وظيفة .

ويرى ابن حزم أن الذي يطرد الهم - حقيقة - العمل للآخرة . إن ما نشاهده من سلوك كثير من الناس يؤيد نظرية ابن حزم هذه إلى حد كبير ؛ فإن الطالب يعود من الدراسة وله هم قضاء الواجبات واستذكار الدروس وهم النجاح ؛ والكبار لهم هموم العمل وتوفير حاجات الأسرة والقيام بواجبات الصلات الاجتماعية والمحافظة على الصحة وتحسين أوضاعهم المالية والأدبية وغيرها من أسباب طرد هموم الدنيا والآخرة، فهم عادة لا يفكرون في الأشياء التي تجلب لهم اللذة والسعادة ؛ ولكن يفكرون في طرد وقضاء الحاجات ؛ هذا لا يعني أن تحقق هذه الأغراض لا يصاحبه لذة وشعور بالرضا والسعادة، ولا يعني - وهنا قد نخالف ابن حزم - أن جانبا مما نقوم به من نشاط قد نؤديه بغرض اللذة والمتعة . من ناحية أخرى فإنه قد تكون لبعض الناس كالدعاة والمصلحين وغيرهم هموم تشغل جل تفكيرهم فلا تدع لهم مجالًا للتفكير في الحصول على متع الحياة والناس يختلفون' فيرى بعضهم أننا يجب أن نوجه الطاقات في مؤسسات الدولة - الطبية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية وفي الجمعيات الخيرية والإصلاحية لطرد هموم الناس أكثر من جلب اللذات لهم ' فنحارب المرض والفقر والجهل والإدمان ونحل مشكلات الأسرة والشباب الخ …

صحيح - كما ذكر ابن حزم - أن ما يشغل معظم الناس طرد الهموم عن أنفسهم أكثر من جلب المنافع لها ' لكننا - كما ذكرنا - نجد بعض الناس يخطط ويهدف إلي تحقيق لذاته ' كما أن معظم الناس يهدف في أوقات حياته إلى تحقيق لذات معينة مثلا باختيار مكان لقضاء عطلته السنوية أو قضاء عطلة نهاية الأسبوع ' ولكننا نجد بعض الناس كالدعاة والمصلحين والمجاهدين لا يعيرون أمر جلب اللذات بالًا فنجد أحدهم لا يأكل إلا إذا شعر بالجوع والضعف ' ولا يذهب لينام إلا إذا شعر بالتعب والنعاس.

وأخيرًا هنالك سؤال يمكن طرحه وهو هل هدف الإنسان هو نيل السعادة سواء كان ذلك بمفهومها الإيجابي أو السلبي؟ على الرغم من أن مفهوم السعادة مفهوم فضفاض .فإنه من الصعب أن نصف شخصًا بالسعادة دون أن يحس بشعور إيجابي من لذة أو متعة أو ارتياح ، ومن الصعب أن نصفه بالسعادة وهو في حالة ألم وعناء إلا إذا اعتبرنا ما سيؤول إليه حاله ' ولكن من ناحية أخرى فإن الإنسان قد يسعى لتحقيق قيمة خلقية أو دينية تحت ظروف ألم ومشقة ومعاناة مثل قيمة العدالة ' وقد يريد تحقيق العدالة من أجل العدالة ذاتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت