ومن ذلك نرى أنه خارجَ دين الله ، خارجَ التوحيد ، قد توجد أديان يصنعها البشر ، إِما من عند أنفسهم أو من تحريف دين الله مع الزمن . وهذه الأديان غير التوحيدية يمكن أن نضعها كلَّها في إطار"دين غير توحيدي"، لا يدعو إلى الله ورسوله ، ولا يتبنّى الوحي المنزّل من عند الله على رسله الذين ختموا بمحمد r، خاتم الأنبياء والمرسلين . فهنالك إذًا دين الله ، دين التوحيد ، دين واحد جاء برسالات متعدّدة مع الرسل والأنبياء ، ودين غير دين الله:
( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ . لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ . وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ . وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ )
[ الكافرون:1ـ6]
مفاصلةٌ وحسمٌ في الدين والمعتقد ، لا مجال فيه للمراءاة أو المجاملات أو المساومات: دين الله دين واحد هو الإسلام ، ودين الكافرين ، ولا يوجد أديان متعددة ، إلا في نطاق دين الكافرين !
وعند الخروج عن هذا التصوّر يضطرب الفكر ويختلط ، وتضطرب التصورات ، وتخرج أفكار ومصطلحات !
فحوار الأديان مثلًا مصطلح غريب حسب ما يُطْرَح في واقعنا اليوم ، وغريب من حيث كلمة"الأديان"! والله يقول: دين واحد ! أفنكذّب الله سبحانه وتعالى ! وغريب من حيث كلمة"حوار"، ففي الإسلام دعوةٌ وبلاغ لتبليغ الدين الحق الواحد ، وتعهُّد الناسِ عليه ، كما أمر الله ! فلا حاجة لحوار الأديان ، فالأديان معروفة ، وأصحاب كلّ دين يدعون إلى دينهم ولا يحاورون حوله . ولكن الحوار يمكن أن يدور حول طريقة التعامل لا حول الدين نفسه ، ويظل الإسلام يدعو الناسَ كافة إلى الإسلام بوضوح وجلاء !
ولما كان اليهود والنصارى قد حرّفوا رسالة أنبيائهم ، فخرجوا بذلك عن الدين الواحد للأنبياء والرسل جميعهم ، سماهم الله"أهل الكتاب"إقرارًا بأن الله أنزل على إبراهيم الصحف ، وعلى موسى التوراة ، وعلى عيسى الإنجيل ، من عند الله رسالات متعدّدة لدين واحد هو الإِسلام ، دين جميع الرسل والأنبياء .
هذا ما نصّ عليه القرآن الكريم والسنة في سور متعددة ، وآيات متعددة ، وأحاديث واضحة ، نصًّا صريحًا بيّنًا لا خلاف فيه ولا تحتمل التأويل . وإذا كان هناك اختلاف فهو في الرسالات من حيث بعض التشريع ، فقد كان كلُّ نبيٍّ يرسل إلى قومه خاصّة ، يبلّغهم دين الإسلام ، دين التوحيد الواحد ، ويضع لهم من التشريع ما يحتاجه كل قوم . ولما جاء النبيّ الخاتم بمثل ما أتى به الأنبياء والرسل من الدين والتوحيد ، مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه ، بأن جمع التشريع كله تشريعًا ربّانيًّا واحدًا للبشريّة كلها إلى يوم القيامة ! تشريعًا كاملًا وتامًّا وكافيًا !
لا بدَّ من تثبيت هذا المفهوم في قلوب المسلمين وفي قلب كل مسلم ، ليعي المسلم حقيقة دينه ومداه ومستواه ، فلا يأخذه الضعف أو الجهل إلى أن يلهث وراء العلمانيّة والديمقراطية والحداثة ، حتى يَعيا ويسقط دون أن يكسب الدنيا ولا الآخرة ، ولا رضا أهل الديمقراطية إلا رضا استدراج مؤقت ، ولا رضا الله !
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن الرسول r قال: ( مثلي في النبيين كمثل رجلٍ بنى دارًا ، فأحسنها وأكملها ، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها ، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ، ويعجبون منه ، ويقولون: لو تمَّ موضع هذه اللبنة ، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة ) [ أخرجه أحمد والشيخان والترمذي ] (1)
فالدين ، من حيث الواقع والحقيقة ، والعقل ، هو الحقيقة الكاملة لهذا الكون كلِّه ، مشهدِه وغيبِه ، دنياه وآخرتِه ، خلقِه كله ، خالقُه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ، خالق كل شيء ، له الملك كله ، وله الأمر كله وله الحمد كله . من هنا يُصبح الدِّين رسالةَ الأنبياء والرُّسل على مرِّ الزمن ، خُتموا كلُّهم بالنبيّ الخاتم محمّد r، وخُتمت الرسالات بالكتاب والسنّة كما جاءا باللغة العربية ، ليكون كتابُ الله منهج حياة كامل تام للإنسان ، للبشرية .
ومن خلال هذا المنهج الرَّباني الكامل يبيّن الله لعباده كلِّهم مهمّة الإنسان في هذه الحياة الدنيا ، المهمّة التي خلقه الله للوفاء بها ، ولتكون جزءًا رئيسًا من هذا الدين العظيم ، ليعرف كلُّ إنسان أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقه ، وهو الذي كلَّفه بمُهمَّةٍ عظيمةٍ يقوم بها في الدنيا من خلال ابتلاءٍ وتمحيص ، ومن خلال عهد وميثاق ، فتكون الطريق أمام الإنسان في هذه الحياة الدنيا مشرقةً جليّةً، يمضي المؤمنون بذلك على صراط مستقيم واحد ، ممتدٍّ إلى الدار الآخرة .
لذلك يعيش المؤمن في هذه الحياة الدنيا مطمئنًَّا راضيًا ، واعيًا لمهمته وتكاليفه الربَّانيَّة التي سيحاسَب عليها يوم القيامة بين يدي الله ، يوم يضع الموازين القسط فلا تظلم نفسٌ شيئًا ، ثمَّ يمضي الإنسان إما إلى جنَّة أو إلى نار .