والخلاصة أن المفهوم السياسي للوطن في الإعلام العربي والخطاب السياسي ـ غالبا ـ ينتهي إلى أنه الكذبة الكبرى التي اصطلح الجميع على إستعمالها للوصول إلى أطماعه الخاصة ، الحزب الحاكم يستعملها مادامت توصله إلى أطماعه ، وطبقة التجار كذلك ـ إن كانت ثمة طبقات تجار خارج السلطة التنفيذية ـ مادموا يحصلون على الصفقات الكبرى ، والأحزاب الساعية للسلطة يمتطون هذا المفهوم للوصول إلى السلطة .
ولهذا ينكشف الأمر عندما يتخلى الزعيم عن الأرض هاربا عندما يفقد سلطته ، وتعيش الأحزاب السياسية خارج الوطن ، وهي تتاجر سياسيا بشعاره ، ويُخرج التجار أموالهم ليهربوا إليها عندما تتهدد مصالحهم التجارية في الوطن ، بينما كانوا يجعلون الأرض سوقا استثماريا فحسب ، ويبقى فيها الشعب المسكين الذي كان مخدوعا بهذه الكذبة ، حبّ الوطن ، إنه حقا زمن الزيف والخداع .
لقد أصبح مفهوم الوطن ـ معذرة ـ كالعاهرة التي يزنون بها جميعا ، ويستر الجميع على الجميع ، وقوّادها هو الأطماع الشخصية لكل فئة !
ثم إنّه من الواضح أن علاقة الإنسان بالأرض إنما هي تبع لغريزة البقاء بحثا عن الغذاء ، الطعام والماء ، لايمكن أن يكابر الإنسان فيدعي خلاف ذلك ، ولهذا فهو يهاجر من أرضه إن لم تمدُّه بأسباب البقاء ، مدفوعا بغريزته .
وعلى أية حال فهذا كلّه وصف للواقع العجيب ، في هذا المفهوم الغريب !
أما الإسلام فإنّه:
1ـ يجعل الأرض تابعة للعقيدة ،ولهذا يقسّم الإسلام الأرض إلى: دار إسلام ، ودار كفر ، فالأرض التي تعلوها أحكام الله تعالى ، هي وطن لكل مسلم ، إتباعًا لعقيدته ، وضدها هدف للمسلمين لإعلاء كلمة الله تعالى عليها بالجهاد ، فالأرض كلها لله يورثها من يشاء من عباده ، وقد أمرنا أن نُعلي في الأرض كلّها كلمة الله تعالى .
2ـ أرض المسلم الأصليّة هي الجنة ، كان فيه أبونا آدم وأمّنا حواء ، فأخرجتهما المعصية ، ويُردّ إليها وبنوه ، بطاعة الله تعالى وعبادته ، قال تعالى ( وأورثنا الأرض نتبوء من الجنّة حيث نشاء ) ، ولهذا فحتّى ذلك الوطن ، إنما يرتبط مفهومه بالعقيدة التي أصلها أنّ عبادة الله تعالى هي السبب الحقيقي لكلّ خير وفلاح في الحياة ، وهي هدفها الأعظم ، والضدّ بالضد .
ونحن في هذه الأرض السفلية غرباء ، نقضي فيها زمنا يسيرا ، لايَكاد يُذكر ، في عمر الحياة الدنيا ، أمّا في عمر الحياة الأبدية فلا شيء البتة ، ثم نرجع إلى أوطاننا ، وفي الحديث ( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) رواه البخاري.
3ـ لما كان دين الإسلام هو الأصل ، والأرض تبع ، وجب على المسلم الهجرة من الأرض التي لايمكنه أن يعبد فيها ربّه ، ويظهر دينه ، فالهجرة سنّة الأنبياء ، ( إني مهاجر إلى ربّي سيهدين ) ، ولهذا هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكّة إلى حيث يقيمون دينهم ، قال تعالى ( إنّ الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيمن كنتم قالوا كنّا مستضعفين في الأرض ،قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) وقال تعالى (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون ) .
4ـ تقديم حبّ الأرض ـ أو القومية أوالعشيرة أو النظام السياسي ..إلخ ـ على نصرة الدين ، شرك بالله ـ تعالى عما يشركون ـ وهو من شرك الأنداد ، قال تعالى ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ) وقد بيّن القرآن المحابّ التي تتخذ أندادا مع الله ، في سورة التوبة قال تعالى ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا حتى يأتي الله بأمره والله لايهدي القوم الظالمين ) .
وإلفُ الإنسان للأرض التي يعيش عليها أمر فطري مباح ، كما يحبّ أهله ، و قومه ، وكراهيته التغرب عن أرضه كذلك ،ولاتثريب عليه أن يتمسك بمحابّه ، ويدافع عنها مالم يخالف شريعة الله ، غيرَ أن كلّ محبوب للإنسان يجب أن يكون بعد حبّ الله ، ورسوله ، ونصر دينه .
5ـ أرض المسلمين ومنها التي عليها يدٌ عادية من نظام مرتد ، أو كافر أصلي محتل ، يجب تخليصها بالجهاد ، لادفاعا عن مجرد الأرض ، بل لأنها أرض المسلمين ، وعن نسبتها إلى العقيدة ، ولإقامة شريعة الله فيها ، فهذا هو الأصل الذي يُجاهد من أجله ، وقتال المسلم دون أرضه التي يملكها من جنس القتال دفاعا عن ماله .
وثمة فرق كبير بين الحدود السياسية لنظام ، وبين المال الخاص ، والحدود السياسية الشرعية تابعة في الأصل لمفهوم سيادة الأمة بكلمة الله على الأرض ، وتُقسّم بناء على ذلك دار الإسلام ، ودار الكفر كما بينا ، وليست تابعة لسلطات الأنظمة ،فالنظام يزول ، أو يُزال ، ويأتي غيره ، والأمة برسالتها باقية ، وأرضها المحكوم عليها بشريعتها حق عام لها ، لايملكها أحد كائنا من كان .