وهي سبع أسردها تباعًا ..
الأولى: جواز معاملة الكفار .
الأصل أنه يجوز معاملة الكفار بالبيع والشراء سواء كانوا أهل ذمّة أو عهد أو حرب (11) إذا وقع العقد على ما يحل، ولا يكون ذلك من موالاتهم (12) .
عن عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهما - قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبيعًا أم عطيّة ؟ أو قال: أم هبة ؟ قال: لا، بل بيع . فاشترى منه شاةً (13) .
وقد بوّب البخاري على هذا الحديث في صحيحه: باب البيع والشراء مع المشركين وأهل الحرب .
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم سلمان الفارسي بأن يكاتب، والمكاتبة أن يشتري العبد نفسه من سيده، وكان سيده يهوديًا (14) .
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن درعه مرهونة عند رجل من يهود على ثلاثين صاعًا من شعير أخذها رزقًا لعياله (15) .
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل (16) .
وسواء في ذلك أن يسافر المسلم لبلد الكفار وديار الحرب أو يجيء الكافر لبلاد الإسلام ليبيع أو يشتري .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وإذا سافر الرَّجل إلى دار الحرب ليشتري منها جاز عندنا كما دل عليه حديث تجارة أبي بكر - رضي الله عنه - في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الشام، وهي حينذاك دار حرب، وغير ذلك من الأحاديث" (17) .
عن الحسن قال: كتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -: أن تجار المسلمين إذا دخلوا دار الحرب أخذوا منهم العُشر . قال فكتب إليه عمر: خذ منهم إذا دخلوا إلينا مثل ذلك: العشر (18) .
قال الحافظ ابن حجر:"تجوز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم على المتعامَل فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم ومعاملاتهم فيما بينهم" (19) .
هذا هو الأصل العام في معاملة الكفار .
يستثنى من هذا الأصل مسائل ؛ منها:
أنه لا يجوز أن يبيع المسلم للكفار ما يستعينون به على قتال المسلمين . لقوله
تعالى:"وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَان" [المائدة:2] .
قال ابن بطال:"معاملة الكفار جائزة، إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين" (20) .
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عن معاملة التتار، فأجاب: (يجوز فيها ما يجوز في معاملة أمثالهم، ويحرم فيها ما يحرم في معاملة أمثالهم ...
فأما إن باعهم أو باع غيرهم ما يعينهم به على المحرمات كبيع الخيل والسلاح لمن يقاتل به قتالًا محرمًا فهذا لا يجوز .. في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لعن في الخمر عشرة: لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها » (21) . فقد لعن العاصر وهو إنما يعصر عنبًا يصير عصيرًا، والعصير حلال: يمكن أن يتخذخلًا ودبسًا وغير ذلك) (22) ."
وسواء كان ذلك وقت الحرب بين المسلمين والكفار أو وقت الموادعة والهدنة بينهم .
قال السرخسي: ولا يمنع التجار من حمل التجارات إليهم إلا الكراع (23) والسلاح والحديد ؛ لأنهم أهل حرب، وإن كانوا موادعين ؛ ألا ترى أنهم بعد مضي المدة يعودون حربًا للمسلمين، ولا يمنع التجار من دخول دار الحرب بالتجارات ما خلا الكراع والسلاح ؛ فإنهم يتقوون بذلك على قتال المسلمين فيمنعون من حمله إليهم، وكذلك الحديد ؛ فإنه أصل السلاح. قال الله تعالى:"وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ" [الحديد: 25] (24) .
وهذه المسألة من معمولات سد الذرائع المفضية إلى المفاسد، ومن أمثلة قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد.
الثانية: وسائل التعامل مع الكفار .
شراء بضائع الكفار يتخذ في هذا العصر صورًا متعددة، وله وسائل لا بد من معرفتها ليتم الحكم عليها من خلالها . ولعله يمكن حصرها في الصور الآتية:
1 -الشراء المباشر من الكافر الذي يبيع أو يصنع أو ينتج السلعة، وهذا آكد ما يشمله حديثنا .
2 -الشراء من خلال وسيط (سمسار) ؛ حيث يكون لديه علم بعدد من المصانع والشركات المنتجة، فيقوم بالتنسيق والتقريب بين المشتري وبين المنتج أو المصنع، ويتولى كتابة وثيقة البيع بين الطرفين، وكل ذلك مقابل نسبة يستلمها الوسيط من الشركة أو المصنع المصدّر (25) .
وهنا تكون الأموال مدفوعة للبائع الأصلي فهو كالشراء المباشر في الاستفادة من الشراء والتضرر بالمقاطعة.
3 -الشراء من ( وكيل بالعمولة ) إذ يستورد البضائع باسمه ولحسابه هو، وتجري معاملاته باسمه أو بعنوان شركة ما، ثم ينقل الحقوق والالتزامات إلى موكله تنفيذًا لعقد الوكالة المبرم بينهما مقابل أجرة تسمى: (عمولة) (26) .