4)الشرط الرابع: أن تكون التضحية في وقت الذبح المشروع. ويبدأ وقت ذبح الأضحية من بعد صلاة العيد فإن كان بمكان ليس به صلاة عيد فليعتبر بمقدار صلاة العيد، ولا يجزئ الذبح قبل ذلك في الأضحية؛ لحديث البراء قال: خطبنا النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر فقال: إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل أن نصلي فإنما هو لحم عجله لأهله، ليس من النسك في شيء"البخاري (2915) ومسلم (1961) . ولمسلم (1960) "من ذبح قبل الصلاة فليذبح شاة مكانها". وينتهي وقت التضحية بغروب شمس آخر يوم من أيام التشريق وهو الثالث عشر على القول الصحيح؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-:"أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله"مسلم (1141) ، فجعل حكمها واحدًا من غير تفريق. ويجزئ الذبح بالليل على الراجح من غير كراهية، إذ الليالي تبع لأيامها في الحكم، ولم يصح دليل على النهي عن التضحية بالليل."
المسألة الرابعة: الحكمة من مشروعيتها:
قال ابن عثيمين -رحمه الله-:"وهي من نعمة الله على الإنسان أن يشرع الله للمسلم ما يشارك به أهل الموسم لأن أهل الموسم لهم الحج والهدي، وأهل الأمصار لهم الأضحية، ولهذا نجد من فضل الله ورحمته أنه جعل لأهل الأمصار نصيبًا مما لأهل المناسك، مثل: ترك الأخذ من الشعر والظفر في أيام العشر من أجل أن يشارك أهل الأمصار أهل الإحرام بالتعبد لله تعالى، بترك الأخذ من هذه الفضولات، ولأجل أن يشاركوا أهل الحج في التقرب إلى الله بذبح الأضاحي، لأنه لولا هذه المشروعية لكان ذبحها بدعة، ولَنُهي الإنسان عنها، ولكن الله شرعها لهذه المصلحة العظيمة" [الشرح الممتع (7/454-455) ] .
وكذلك شرع الله الأضحية لتحقيق الحكم التالية:
1-اقتداء بأبينا إبراهيم -عليه السلام- الذي أمر بذبح فلذة كبده، فصدق الرؤيا، ولبى وتله للجبين، فناداه وفداه بذبح عظيم، وصدق الله العظيم إذ يقول:"فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين*فلما أسلما وتله للجبين*وناديناه أن يا إبراهيم*قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين*إن هذا لهو البلاء المبين*وفديناه بذبح عظيم" [الصافات:102-107] ، ففي ذبح الأضاحي إحياء هذه السنة، وتضحية بشيء مما أفاء الله على الإنسان، لصاحب النعمة ومسديها، وغاية الشكر محض الطاعة بامتثال الأمر.
2-توسعة على الناس يوم العيد، فحين يذبح المسلم أضحيته يوسع على نفسه وأهل بيته، وحين يهدي منها أصدقائه وجيرانه وأقاربه فإنه يوسع عليهم، وحين يتصدق منها على الفقراء والمحتاجين فإنه يغنيهم عن السؤال في اليوم الذي هو يوم فرح وسرور. [أحكام العيدين وعشر ذي الحجة لعبد الله الطيار صـ (65-66) ] .
مسائل متفرقة في الأضحية:
(1) لا يجوز بيع جلد الأضحية ولا غيره من أجزائها، ولا يجوز أن يعطي الجزار شيئًا منها أجرة، -أي يحتسبها عليه من أجرة ذبحها- لحديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أقوم على بُدنه، وأن أقسم جلودها وجلالها، وألا أعطي الجازر منها شيئًا، وقال: نحن نعطيه من عندنا"متفق عليه."
فأما إن أعطاه شيئًا منها على سبيل الهبة أو الصدقة فلا بأس، كما أن له -أي للمضحي- أن ينتفع بجلودها أو غيرها من أجزاء الأضاحي قياسًا على جواز الانتفاع بلحمها.
(2) ذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها لفعله -صلى الله عليه وسلم- حيث واظب عليها وكذلك فعل الصحابة من بعده، ولأن في ذلك إحياءً لسنة مؤكدة.
قال ابن القيم في تحفة المودود صـ (65) :"الذبح في موضعه أفضل من الصدقة بثمنه فإن نفس الذبح وإراقة الدم مقصود، فإنه عبادة مقرونة بالصلاة كما قال تعالى:"فصل لربك وانحر"وقال تعالى:"قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين"ففي كل ملة صلاة ونسك لا يقوم غيرها مقامها ولهذا لو تصدق عن دم المتعة والقران بأضعاف القيمة لم يقم مقامه وكذلك الأضحية".
(3) من أراد أن يضحي فلا يجوز له إذا دخلت العشر أن يأخذ شيئًا من شعره أو أظفاره أو بشرته، وهذا إنما هو على من يضحي لا من يضحّى عنه من أهل البيت، ويدل لذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-:"إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا بشره شيئًا"رواه مسلم (1977) ، وأما أهل البيت ممن يُضحى عنهم فلا يحرم عليهم لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما نهى عمن يضحي دون من يُضحى عنه، ولأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يكن ينهى أهل بيته عن الأخذ من أشعارهم وأبشارهم وأظفارهم.
فإن عصى وفعل فأخذ من بشرته أو شعره أو أظفاره شيئًا فلا فدية عليه إجماعًا، ولا يصح أن يقاس على المحرم، بل ولا أثر لذلك في إجزاء أضحيته وقبولها.
وإن لم ينوِ الأضحية إلا أثناء العشر وقد أخذ من شعره أو ظفره شيئًا فلا بأس، ويبتدئ تحريم ذلك من حين نوى التضحية لأن العبرة بالنية.