فقد كان هدفه وهدف من معه ظاهرًا بالنسبة لهم، وهو لفت الأنظار إلى خطورة الأغذية الصناعية، والدفاع عن الأغذية الطبيعية أو الصحية، وهو هدف مشروع في وقت لاتبالي فيه الرأسمالية العالمية بتسميم اللحوم، وتشكيل خطر حقيقي على الصحة العامة، ومن براهين ذلك عندهم قضية البقرة المجنونة وقضايا أخرى مشابهة، فالرأسماليون من شدة حرصهم على الربح بأسرع وقت ممكن وبأكبر قدر ممكن لا يتورعون عن تقديم اللحوم المطحونة كغذاء للحيوانات بدلًا من العلف النباتي!
وقد قال توماس فريدمان معلقًا على مظاهرات سياتل، كلمة يصح لمتظاهري (بوفيه) قولها، قال:"لقد كان لمظاهرات سياتل جانبها الأحمق، لكن ما أراد المحتجون الجادون طرحه هناك كان:"يا أميركا، إنك الآن تؤثرين على حياتي بشكل يفوق تأثير ما تفعله حكومتي. إنك تؤثرين علي بنفس أسلوب تغلغل ثقافتك في ثقافتي، وبنفس أسلوب تسريع تقنياتك لتغيير جميع مناحي حياتي، وبنفس الأسلوب الذي فرضته إجراءاتك الاقتصادية علي، إنني أريد أن أدلي برأيي في كيفية فرضك لقوتك؛ لأنها الآن باتت قوة تشكل حياتي"."
عودًا على بدء، فما اتبعه (جوزيه بوفيه) استراتيجية، وبعض المناهضين للعولمة قد يلجأ إلى استراتيجية أخرى أشد، ومن هؤلاء أولئك الذين جعلوا برجي التجارة العالمية أثرًا بعد عين.
ومنهم من يكتفي بمسيرات يحشد لها مئات الآلاف كتلك التي خرجت في بوليفيا عام ألفين بمناسبة خصخصة شركة المياه.
إن هذا الاعتراض العالمي على مايسمى بالعولمة الأمريكية هو الذي حدى بتوماس فريدمان للتساؤل: لماذا لم تتهيأ الأمم عسكريًا ضد الولايات المتحدة؟
قال:"يجيب مايكل ماندلباوم، مؤلف كتاب (الأفكار التي غزت العالم) قائلًا:"تطرح واحدة من أبرز مدارس العلاقات الدولية -مدرسة الواقعيين- أنه متى ما برزت قوة مهيمنة، كأميركا في النظام العالمي، فإن دولًا أخرى ستحشد جهودها بشكل طبيعي ضد هذه القوة، لكن ولأن العالم يدرك بشكل أساسي أن هيمنة أميركا (سلمية) ، فان عملية التصدي لها لا تتخذ شكل العمليات الحربية، وبدلًا من ذلك، تصبح مسعى لكبح جماحها، باللجوء إلى قواعد منظمة التجارة العالمية أو الأمم المتحدة، وبقيامها بذلك فإنها تطالب باستخدام حق النقض (الفيتو) فيما يتعلق بكيفية تفعيل قوة أميركا"."
وهناك أيضًا سبب آخر لرد الفعل غير العسكري، وهو: أن بروز أميركا كقوة مهولة حدث خلال عصر العولمة، حيث باتت الاقتصاديات متشابكة للغاية، إلى حد أن الصين وروسيا وفرنسا، أو أي تجمع منافس آخر لا يمكنه إلحاق الأذى بالولايات المتحدة بدون إصابة اقتصادياته بضرر ما.
ثم ذكر أن الناس الوحيدين الذين بإمكانهم إلحاق الضرر العسكري هم من ليست لهم أي مصالح مع النظام الدولي، ومثل بأسامة بن لادن.
وأضيف سببًا آخر على ما ذكراه، وهو أن أصحاب القرار والنفوذ والأموال في العالم ليس من مصلحتهم حرب العولمة، وهؤلاء هم القطاع المؤثر الحقيقي بصورة مباشرة أو غير مباشرة في قرارات الدول.
فإذا كانت المعارضة للعولمة حدت بطرح هذا التساؤل، وهذه الآراء في الدول الغربية لكون الفارض والمسيطر دولة أخرى، فإن ما يسمى بدول العالم الثالث أشد معارضة لهذا النظام، والإسلامية والعربية منها على وجه الخصوص، فكيف تخضع هذه الأمم لغير الشرائع الإلهية أو الأحكام الدينية، ثم إن الدراسات الاقتصادية أو التجارية والإحصائية والاجتماعية المبنية على مصلحة مجتمع ما، ليس من العدالة فرضها على المجتمعات الأخرى.
1 (العولمة والحركات الاجتماعية والأمميات الجديدة) لبيتر وتر مان.
2 بيتر وترمان في كتابه (العولمة والحركات الاجتماعية والأمميات الجديدة) .