وذهبت ثانى يوم من الفجر بعد أن ضاعفتُ جرعةَ الدعاء عقب الصلاة بأن يجىء الله بالفرج هذه المرة، ووصلت لمأمورية الضرائب التى أصبحتُ أحفظ موقعها ومكاتبها كما أحفظ بيتى، وسألت في الاستقبال عن مكان تصدير الخطاب فقالوا لى: الأرشيف. وكان في الطابق الأرضى على يمين الداخل، فدخلتُ فوجدتُ موظفا شابا يقضم شطيرة (شطيرة، وليس كما يتظرف السخفاء:"شاطر ومشطور وبينهما طازج") ، فقت له وأنا أطلعه على الرسالة: من فضلك، من الذى أرسل لى هذا الخطاب؟ فقال على الفور بعد أن ألقى نظرة سريعة عليه: أنا. فقلت ضاحكا من شدة البلية: وهل ستحجزون فعلا على أثاث شقتى؟ فقال: نعم بكل تأكيد. فقلت وأنا لا أزال أضحك من فداحة الهم: وأين أنام أنا وأولادى إذن؟ فقال: ولكن هذه هى التعليمات، وأنا العبد المأمور. فتخيلتُ الفضيحة أم جلاجل التى ستتسبب لى فيها مأمورية الضرائب بين الجيران عندما يأتون ويقيمون مزادا علنيا للأنتريه وغرفة النوم والسفرة التى في الشقة، وهى أشياء ليست ذات قيمة. ثم من يدرى؟ربما أضافوا الأولاد أيضا إلى المزاد إذا لم تَكْفِ هذه الأشياء لتغطية المبلغ المطلوب. وتصورت أولادى وقد اشتراهم أحد الجيران وألحقهم باسمه ولم يعد لى فيهم نصيب ولا أستطيع أن أقول لهم:"ثلث الثلاثة كم؟"وهم يروحون ويجيئون أمام عينى، فقلت له كمن هبط عليه الإلهام فجأة: يا أخى الفاضل، دعنا من الرسميات والقانون، وتعال نتكلم من الناحية الإنسانية. فوجدته يتوقف عن الطعام لينصت، فشجعنى هذا على المضى في الكلام، وقلت له الحكاية من"طق طق"ل"سلام عليكم"، ثم عقبت قائلا:"والآن ضع نفسك في مكانى، وقل لى من فضلك كيف تتصرف". وإذا به يضع الشطيرة جانبا (الشطيرة لا الشاطر والمشطور والطازج الذى بينهما كما يقول السخفاء للتهكم بلساننا القومى، بلاهم الله بمأمورية الضرائب كما بلانى وأرانى فيهم يوما) ويقول: تعال معى. فقلت له: إلى أين؟ فقال: لأحلّ لك المشكلة. قلت له وأنا غير مصدق، وفى نفس الوقت فرحان لأن أولادى لن يباعوا منى في المزاد، هؤلاء الأولاد الذين كلفونى الكثير ووُلِدوا وتربَّوْا في إنجلترا، و"يضربون بالقُلَّة"بلسان جون بول وينادوننى ب"دادِى"، التى أصوّبها لهم قائلا:"ضاضِى لا دادِى"بحجة أن لغتنا هى لغة"الضاد"لا"الداد" (باختصار: أولاد عمولة، وليسوا شُغْل سُوق) : هل من المعقول أن المشكلة التى حيرتنى طوال السنوات الماضية سوف تنحلّ الآن وبهذه السهولة؟ فأكد لى أنْ نعم. فقلت له (وأنا أكاد أطير من الفرح لولا أننى قلت لنفسى: انتظر حتى تنحل المشكلة فعلا، وبعدها يصير لكل حادث حديث كما نقول نحن أهل العربى، وعندك يا أبا خليل برج الجزيرة على مقربة منك يمكنك أن تصعد فوقه وتطير كما تحبّ وتفعل مثلما فعل عباس بن فرناس فتنزل على جذور رقبتك بالطريقة التى تُشْمِت بك أمة محمد وعيسى وموسى جميعا) : الله ينعم عليك! ولكن لم لا تنتهى من الشطيرة أولا؟ (الشطيرة لا الشاطر والمشطور وال... إلخ كما يقول ال... إلخ للتهكم بال...إلخ أيضا) . فقال بارك الله فيه: دعنا من الشطيرة الآن (بطبيعة الحال حتى أكون صادقا، فالكذب خيبة، لقد قال:"الساندويتش". ولم يكن من اللياقة ولا اللباقة في شىء كما لا يخفى عليكم، ولا كان عندى نفس، أن أنبهه إلى أن الصواب هو أن يقول:"شطيرة". ألا لعنة الله على الشطيرة والساندويتش معا! هل هذا وقته؟) .