فهرس الكتاب

الصفحة 24486 من 27345

إن في اليقين باليوم الآخر وأنبائه العظيمة لآثارًا واضحة وثمارًا طيبة ، لابد أن تظهر في قلب العبد وعلى لسانه وجوارحه ، وفي حياته كلها ، ولكن هذا اليقين وحده لا يكفي حتى ينضم إليه الصبر ومجاهدة الشهوات والعوائق ، لأن الواحد منا مع يقينه باليوم الآخر وأهواله يرى في حياته أن ثمرات هذا اليقين ضعيفة ، فلابد إذن من سبب لهذا الأمر، ويجلي هذه المسألة الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى فيقول:(فإن قلت كيف يجتمع التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار ويتخلف العمل ؟ وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوب غدًا إلى بين يدي بعض الملوك ليعاقبه أشد عقوبة ، أو يكرمه أتم كرامة ، ويبيت ساهيًا غافلًا ! ولا يتذكر موقفه بين يدي الملك ، ولا يستعد له ، ولا يأخذ له أهبته ؟ ! .

قيل: هذا لعمر الله سؤال صحيح وارد على أكثر الخلق ؛ فاجتماع هذين الأمرين من أعجب الأشياء ، وهذا التخلف له عدة أسباب:

أحدهما: ضعف العلم ونقصان اليقين ، ومن ظن أن العلم لا يتفاوت ، فقوله من أفسد الأقوال وأبطلها . وقد سأل إبراهيم الخليل ربه أن يريه إحياء الموتى عيانًا بعد علمه بقدرة الرب على ذلك ، ليزداد طمأنينة ، ويصير المعلوم غيبًا شهادة .

وقد روى أحمد في مسنده عن النبي أنه قال: (ليس الخبر كالمعاينة) [1] .

فإذا اجتمع إلى ضعف العلم عدم استحضاره أو غيبته عن القلب في كثير من أوقاته أو أكثرها لاشتغاله بما يضاده ، وانضم إلى ذلك تغاضي الطبع ، وغلبات الهوى ، واستيلاء الشهوة ، وتسويل النفس ، وغرور الشيطان ، واستبطاء الوعد ، وطول الأمل ، ورقدة الغفلة ، وحب العاجلة ، ورخص التأويل ، وإلف العوائد ، فهناك لا يمسك الإيمان إلا الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا ، وبهذا السبب يتفاوت الناس في الإيمان والأعمال ، حتى ينتهي إلى أدنى مثقال ذرة في القلب .

وجماع هذه الأسباب يرجع إلى ضعف البصيرة والصبر، ولهذا مدح الله سبحانه أهل الصبر واليقين ، وجعلهم أئمة الدين ، فقال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة: 24] [2] .

ذكر الثمرات المرجوة:

وبعد هذه المقدمة التي لا بد منها حول ثمرات اليقين بالنبأ العظيم نذكر ما تيسر من هذه الثمرات ، والله ولي التوفيق:

1-الإخلاص لله (عز وجل) والمتابعة للرسول:

إن الموقن بلقاء الله (عز وجل) يوم الفزع الأكبر، لا تلقاه إلا حريصًا على أعماله ، خائفًا من كل ما يحبطها من أنواع الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر، حيث إن الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال ، فتصير هباءً منثورًا ، والشرك الأصغر يحبط العمل الذي حصل فيه هذا النوع من الشرك كيسير الرياء ، والعجب ، والمن ، وطلب الجاه والشرف في الدنيا، فكلما كان العبد موقنًا بلقاء ربه كان منه الحرص الشديد على ألا تضيع منه أعماله الصالحة في موقف القيامة ، يوم أن يكون في أشد الأوقات حاجة إليها ؛ ولذلك فهو يجاهد نفسه بحماية أعماله في الدنيا بالإخلاص فيها لله تعالى لعل الله عز وجل أن ينفعه بها ، كما أن اليقين بالرجوع إلى الله عز وجل يجعل العبد في أعماله كلها متبعًا للرسول صلى الله عليه وسلم غير مبتدع ولامبدل ؛ لأن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا صوابًا ، قال تعالى:(قُلْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إلَيَّ أَنَّمَا إلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو

لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف: 110] .

2-الحذر من الدنيا والزهد فيها والصبر على شدائدها وطمأنينة القلب وسلامته:

إذا أكثر العبد ذكر الآخرة ، وكانت منه دائمًا على بال ، فإن الزهد في الدنيا والحذر منها ومن فتنتها سيحلان في القلب ، وحينئذ لا يكترث بزهرتها ، ولا يحزن على فواتها ، ولا يمدن عينيه إلى ما متع الله به بعض عباده من نعم ليفتنهم فيها ، وهذه الثمرة يتولد عنها بدورها ثمار أخرى مباركة طيبة منها: القناعة ، وسلامة القلب من الحرص والحسد والغل والشحناء ؛ لأن الذي يعيش بتفكيره في الآخرة وأنبائها العظيمة لا تهمه الدنيا الضيقة المحدودة ، مع ملاحظة أن إيمان المسلم باليوم الآخر وزهده في الدنيا لا يعني انقطاعه عنها وعدم ابتغاء الرزق في أكنافها ؛ يقول تعالى: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ) [القصص: 77] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت