لقد بكى! وظن أنه قد جزع من ما يرى من الأهوال والشدائد ورضي بالعروض المقدمة إليه، فقال قيصر: ردوه عليَّ ! فملما ردوه إليه ومثل أمامه عرض عليه النصرانية فرفضها. فقال له متعجبًا: ويحك ماذا أبكاك! قال عبد الله بن حذافة رضي الله عنه: أبكاني أني قلت في نفسي: تُلقى الآن في هذه القدر فتذهب نفسك، وقد كنت أشتهي أن يكون لي بعدد ما في جسدي من شعر أنُفس فتُلقى كلها في هذا القدر في سبيل الله. فتعجب الطاغية الظالم وقال: هل لك أن تُقبل رأسي وأطلق سراحك. فقال عبد الله وهو يرى أمة من المسلمين في الأسر: وعن جميع أسارى المسلمين كلهم! وافق القيصر وعبد الله يقول في نفسه: أتى الفرج لهؤلاء الأسرى .. نعم أقبل رأس الظالم ويطلق أسارى المسلمين .. دنا بعزة وهيبة وقبل رأس قيصر! وعندما وطأت قدما عبد الله بن حذافة المدينة النبوية كان الخبر قد سبقه إلى أهلها .. قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو فرح مسرور بثبات عبد الله وقوة إيمانه: حقُّ على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ بذلك! فقام وقبل رأس عبد الله بن حذافة رضي الله عنه. يا عبد الله - هذا الزمن - دعنا نقبل رأسك وانطلق إلى المسجد مصليًا .. دعنا نقبل رأسك وكن ثابت الإيمان قوي الرسوخ! يا عبد الله دعنا نقبل رأسك وفك أسرك من رق الشهوات ومواطن الريب والخنا. دعنا نقبل رأسك مرات ومرات ولا تكن إمعة يسيرك الأعداء حيث شاءوا وهو ما نراه في مظهرك ومخبرك!
عبد الملك القاسم
[ من إصدارات دار القاسم ]