فهرس الكتاب

الصفحة 24648 من 27345

وحينما دخل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مكة فاتحًا كان مثالا للبر والوفاء والعفو عند المقدرة، وفتح صدره لجميع من تحدثوا إليه، ومن الوقائع الطريفة في هذا المجال أن ـ سراقة بن مالك ـ الذي كان قد وعده النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سواري كسرى وهو يلاحق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبا بكر في طريق الهجرة، تحدث إليه سراقة مذكرًا إياه بما وعد فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ:"نعم هذا يوم وفاء وبر، أدنوه، فأدنوه منه فأسلم، وسأله: يا رسول الله إن الضالة من الإبل تغشى حياض ماء وقد ملأتها لإبلي فهل لي في ذلك أجر؟ إن تركتها تشرب من حياضي وليست ملكي". فقال صلى الله عليه وسلم:"نعم في كل ذات كبد حرى أجر".

وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستطيع أن يضرب أعناق (مجرمي الحرب) من رءوس قريش، الذين قتلوا أصحابه، وصادروا أموالهم، وخانوا وغدروا، وألبوا عليه العرب، ولكنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان منطقه الإنساني هو الحاكم والمهيمن.

وصفة الإنسانية في رسول الله إنما تمثل طابعًا متجذرًا أصيلًا شاملا، ومنها تنبع قائمة القيم المحمدية: فهو رحيم , وصفه ربه بصفتين من صفاته إذ قال (بالمؤمنين رءوف رحيم) , وهو القائل"من لا يرحم لا يرحم"، وهو الذي حَرَم الأقرع بن حابس أن يوليه على أموال بني تميم ؛ لأنه اكتشف أنه يقسو على أبنائه إذ قال حينما رأى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقبل الحسن ابن علي: يا رسول الله إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت واحدًا منهم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تلي لنا أمرا". وكان رحيمًا بالحيوان فقال:"إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته".

وكان حليمًا منطقه"اذهبوا فأنتم الطلقاء"و"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". وكان وفيًا يذكر خديجة بعد موتها ويتحدث عنها بما يرفع من شأنها أمام زوجاته، ويحسن لكل من كانت تحبهم خديجة . وكان متواضعًا حتى قال لرجلٍ ارتعش في حضرته:"هون عليك، فلست بجبارٍ ولا ملك، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد". وقد ذكرنا آنفا أنه لما دخل مكة كان يركب ناقته القصواء، وقد أحنى رأسه على رحله تواضعًا حتى كادت لحيته تمس الرحلْ من شدة التواضع، وهو يقول:"لا عيش إلا عيش الآخرة". ومن قبل كان يشارك أصحابه في حفر الخندق حتى كان الغبار يغطي وجهه الشريف، كما كان يشاركهم رجزهم، ويرفع صوته بالرجز معهم، وهو يشبه في وقتنا الحاضر الأغنيات العفوية التي يغنيها البناءون أثناء عملهم حتى يخففوا عن أنفسهم شدة العمل.

ويطول بنا المسار لو رحنا نستعرض قائمة القيم المحمدية، ولكنا نقول إنها طوابع نفسية وخلقية، وعقلية، وروحية نابعة من معين"الإنسانية"الأصيلة المتجذرة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أدبه فأحسن تأديبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت