فهرس الكتاب

الصفحة 24669 من 27345

ومن مظاهر اهتمام المستشرقين بطه حسين كذلك أن بعضهم، حينما أُبْعِد الرجل عن الجامعة، قد أعلنوا أسفهم الشديد وهاجموا المسؤولين عن ذلك وعدّوه من المناضلين عن حرية الفكر. وأعلن برجشتراسر، وكان أيامها أستاذا بالجامعة المصرية، أنه لن يعود إلى الجامعة إلا إذا عاد إليها طه حسين (معك/ 109- 110) . وهذا كله مع أن مئات الأساتذة الجامعيين المسلمين يُفْصَلون ويُسْجَنون ويُقَتَّلون في أنحاء العالم المختلفة، ولم نسمع من أحد من هؤلاء المستشرقين ولو كلمة مجاملة من باب ذر الرماد في العيون. وبالمناسبة فقد نابنى من الحُبّ جانبٌ بسبب الكتاب الذى أنقل منه هذا الفصل (أو إذا آثرنا الصراحة: بسبب طه حسين وما اقتحمتُه في ذلك الكتاب من محرّمات وأقداس لا ينبغى أن يقترب منها أحد، وإلا تم التنكيل به حتى يكون عبرة لغيره) ، فأوذيت أذى شديدا لم أُوذَه في حياتى العلمية والوظيفية، ولم يكلِّف أحد من المتباكين على الحرية الفكرية عَيْنَه أن تذرف ولو دمعة واحدة من دموع التماسيح على سبيل التجمُّل، فضلا عن أن يثير الأمرَ في وسائل الإعلام المحلية، بَلْه العالمية. وكان ذلك قبل مسألة د. نصر أبو زيد بقليل، الذى أخذت وكالات الأنباء في كل أرجاء الدنيا تطيّر أخباره وتغطى الاحتجاجات التى كانت تظاهره من كل صَوْبٍ وحَدَب، وكأننا بصدد حرب كونية ثالثة! وأحب رغم ذلك ألا يفهمنى أحدٌ خطأً فيتوهم أنى مع اضطهاد الفكر، ولكنى فقط أتساءل عن سر هذا الاهتمام الغريب من قِبَل الدوائر العالمية المعادية للإسلام بطه حسين وأمثاله وقَصْره عليهم، وعليهم وحدهم! ومن المضحك الذى ينبغى إيراده هنا، وشر البلية ما يضحك كما يقول المثل المشهور، أن يبلغ التحمس لطه حسين عند أحد القساوسة المصريين، وهو كمال ثابت قلته (فى رسالته للماجستير عن الدكتور طه) ، أن يهاجم، وهو رجل الدين النصرانى، شيوخ الأزهر ويتهمهم بالرجعية واصمًا إياهم بأنهم لم يفهموا الإسلام كما فهمه طه حسين. فالحمد لله الذى جعل هذا القس يفهم الإسلام خيرا من مشايخنا ويقوم فوق ذلك بدور القاضى بينهم وبين الأزهرى السابق الشيخ طه، ويصدر في النهاية هذا الحكم المهذب العادل (انظر كتابه"طه حسين وأثر الثقافة الفرنسة في أدبه"/ دار المعارف/ 90- 92) .

فإذا عدنا إلى الرافعى واتهامه لطه حسين وجدنا من الصعب أن نرميه بالتجنى وإرسال القول على عواهنه. ومن المؤكد أنه، رحمة الله عليه، كان يعرف عن طبيعة علاقات طه حسين بالمستشرقين ورجال الدين والسياسة الغربيين الشىء الكثير بحكم المعاصرة، وبحكم اهتمامه كأديب ومفكر بقضايا الأدب والتاريخ العربى والإسلامى، وبحكم انغماسه التام في الحياة الثقافية واتصاله بأقطاب الفكر والأدب والنهضة الإسلامية، وبحكم وجود الاستعمار البريطانى الدنس على أرض المحروسة مما يشجع من لهم علاقة بدوائر الغرب العلمية والسياسية على عدم الاستتار بهذه العلاقات، بالضبط كما هو حادث الآن في الظروف السُّود التى يمر بها الوطن العربى بل أمة محمد على بكرة أبيها. ويمكن، لمن يريد التعرف إلى بعض العلاقات التى كانت لطه حسين بهذه الدوائر، الرجوع إلى الصفحات التالية: 162، 173- 174، 178، 190، 195، 197، 199، 202، 204، 266...إلخ من كتاب"معك"الذى وضعته زوجته عنه بعد وفاته والذى كان مرجعا أساسيا من مراجعنا في هذا الفصل. ودعنا من رحلته التى قام بها إلى فلسطين وزار فيها الجامعة العبرية سنة 1927م، تلك الجامعة التى بذل طه حسين جهوده (المشكورة والمقدورة) حتى نجح في تذليل الاعتراض الذى أبداه رجال البعثات في مصر على ذهاب أحد الطلاب إليها (المرجع السابق/ 83، 186) . وكذلك دعنا من إشرافه على مجلة"الكاتب المصرى"اليهودية، وتسهيله لأصدقائه من اليهود الخروج من مصر عند اقتراب الألمان من العلمين (السابق/ 140) . ولعل من الطريف أن نشير هنا إلى ما ذكرته السيدة زوجته في هذا الكتاب من أن أم وأخت أحد الشبان الإخوانيين، وكان قد حُكِم عليه ضمن آخرين مثله بالإعدام أيام الرئيس عبد الناصر لارتكابهم جرائم قتل (!) كما تقول، ألحتا على الدكتور طه أن يتدخل لإنقاذ الشاب. ولكنه لم يفعل بطبيعة الحال، ربما لأنه لم يكن يهوديا. ومع ذلك فهذه القصة غير مقنعة، إذ لا أظن أن سمعة طه حسين بين الإخوان وأسرهم كانت تشجع المرأتين على أن ترجوا تحقيق مثل هذا الطلب على يديه، وهو الذى هاجمهم أشد هجوم في بعض ما كتب في تلك الفترة.علاوة على أننى لا أعرف أن الإخوان قد ارتكبوا جرائم قتل في عهد عبد الناصر أو حتى اغتيالات سياسية. وفى النهاية فإنى لا أعرف لماذا لم تذكر السيدة الكاتبة اسم الشاب. أغلب الظن أن مثل هذا الشاب وأمه وأخته ليس لهم وجود! والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت