فهرس الكتاب

الصفحة 2467 من 27345

ولكن ياليت العزاء قد اكتمل بأن دفنا الحكام في مقبرة جماعية نكتب عليها آيسون من رحمة الله ، ولكن وا حسرتاه فهم أموات وما هم باموات ، اموات أمام اعدائكم احياء عليكم .

أيها المسلمون:

لعل قولي هذا تعرفونه وتعرفون ما هو أكثر منه ولربما يقول بعضكم قولا أبلغ فيهم من قولي هذا ولكني اقول هذا الكلام وأذكركم به لتحزموا أمركم تجاه حكامكم . فإن رسول الله قال: من رأى سلطانًا جائرًا مستحلًا لحرام الله ناكثًا عهده مخالفًا لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقًا على الله أن يدخله مدخله.

فقد بات واضحا لكل صغير وكبير فساد الحكام وأمرهم وأنهم هم أس الداء والمصائب ، مما يعني أنه يجب عليكم أن تقوموا أنتم بواجبكم .

فلا يكفي ولا يجوز منا أن نعرف واقع الحكام وندرك فسادهم وضرورة تغييرهم ثم لا يكون لنا نصيب أو سهم في العمل للخلاص منهم .

فرسول الله صلى الله عليه وسلم قد اعتبر من ادرك هذه الحقيقة ولم يعمل للتغير بأنه شريك لهم ، ولا أظن أحدا منا يرضى ان يكون شريكا لهؤلاء المجرمين في حق انفسهم بما سينالونه من عقاب عند الله وبحق أمتهم لما فرطوا بها وعلى الملأ.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم .. فيا فوز المستغفرين اتسغفروا الله .

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، والصلاة والسلام على سيدنا المجتبى، آلله خير ام ما يشركون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

عباد الله:

هذه الأحداث العصيبة وتلك الجرائم الكبيرة تمر علينا في وقت نستذكر فيه أمرا عظيما، والذي ترجع اليه كل مصائبنا في حكامنا .

ففي الثامن والعشرين من شهر رجب الخير لسنة 1342 هـ، الموافق للثالث من آذار لسنة 1924م, وقعت أكبر جريمة في حق المسلمين، حيث تمكنت الدول الأوروبية بقيادة بريطانيا من إلغاء دولة الخلافة العثمانية الإسلامية، ولم تخرج الجيوش البريطانية المحتلة لمضيق البوسفور وإستانبول العاصمة إلا بعد أن اطمأنت إلى نجاح عميلها مصطفى أتاتورك في تركيا من إلغاء دولة الخلافة، وإقامة الجُمهورية العلمانية على أنقاضها، وإخراج الخليفة من البلاد.

وفي صبيحة الثالث من آذار من ذلك العام أعلن المجلس الوطني الكبير موافقته على إلغاء الخلافة وفصل الدين عن الدولة، وفي الليلة ذاتها أرسل مصطفى كمال أمرًا إلى حاكم إستانبول الذي استولى على المدينة بفضل سماح القوات البريطانية وتمكينها له بالسيطرة عليها، يقضي بأن يغادر آخر خليفة عثماني عبد المجيد تركيا قبل فجر اليوم التالي، وأُجبر الخليفة بالفعل على الخروج من تركيا باتجاه سويسرا وتم تزويده بحقيبة فيها بعض الثياب وبضعة جنيهات، وبذلك نفذ أتاتورك شروط إنجلترا وأوروبا للاعتراف بالجمهورية الجديدة، واعترفت الدول الأوروبية باستقلال تركيا في الرابع والعشرين من تموز من نفس العام وفقًا لمعاهدة لوزان، وانسحبت بالتالي القوات المحتلة البريطانية من إستانبول العاصمة والمضائق، وغادر القائد العسكري البريطاني هارنجتون تركيا، وقال وزير الخارجية البريطاني كرزون أمام مجلس العموم البريطاني: «القضية أن تركيا قد قُضي عليها، ولن تقوم لها قائمة، لأننا قضينا على القوة المعنوية فيها: الخلافة والإسلام» .

فهذا الحدث الجسيم، وهو هدم الخلافة، لا شك بأنه يعتبر منعطفًا خطيرًا في حياة الأمة الإسلامية، فقبل هذا الحدث كان المسلمون يعيشون في ظل دار الإسلام، ومن لم يستظل بظل الدولة الإسلامية كانوا يستطيعون الانتقال إلى الدولة للعيش كرعايا فيها، وللتمتع بالحياة الإسلامية، وإبراء أعناقهم من وجوب وجود بيعة لخليفة امتثالًا لقوله: «ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» .

ولكن بعد هدم الدولة لم يتمكن أي مسلم من أمة لا إله إلا الله من الالتزام والتقيد بفرض العيش في دار الإسلام والاندماج في جماعة المسلمين. لذلك كانت هذه المناسبة الحزينة جديرة بالتأمل لخطورتها على مستقبل الشعوب الإسلامية، ولاتخاذ العبر منها، وعليه كانت ذكرى سقوط الخلافة مختلفة متميزة وليست ككل الذكريات. فهي ليست ذكرى دينية بالمعنى الشرعي وإن كان لها علاقة تتصل بأعظم واجبات الدين ألا وهي وجوب إقامة الدولة الإسلامية لتطبيق شرع الله تعالى على الناس. وهي ليست ذكرى احتفالية كسائر الذكريات المعهودة البهيجة، وإن كان العمل لإحياء معانيها ينشر السعادة والفرحة في جميع شعوب المعمورة، وليس في جنس أو شعب واحد من شعوبها. وهذه الذكرى وإن كانت غير شائعة بين سواد المسلمين إلا أن إشاعتها تثير في الناس دوافع العمل السياسي الصحيح، ونوازع الوحدة السياسية الفورية للشعوب الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت