فهرس الكتاب

الصفحة 24709 من 27345

ولتحرير هذا المصطلح والهدف من طرحه نستعرض المعاني المستعملة التي لا يخرج عنها تفسير هذا المصطلح.

الاستعمال الأول: وهو ما ذكره المجتمعون في اللقاء الوطني الخامس للحوار الفكري المنعقد في أبها في الفترة من 11ـ13/11/26هـ حيث جاء في بيانهم الختامي تعريفهم لهذا المصطلح بقولهم: (وقد أتجه المجتمعون إلى التعبير بأن المقصود بـ(نحن) أي: المواطنين السعوديين الذين يجمعهم دين واحد هو الإسلام، ووطن واحد هو المملكة العربية السعودية، وله أراء وتوجهات متنوعة، (والأخر) هو المجتمعات الإنسانية الأخرى بجميع أديانها وحضاراتها وأوطانها) ولا يخفى ما في هذا الكلام من أبعاد خطيرة تبينها المناقشات التالية.

أولًا: قولهم بأن المقصود بـ (نحن) : المواطنين السعوديين ... الخ، و (الأخر) :هو المجتمعات الإنسانية الأخرى ... الخ ) . إن في هذا القول مزلقًا عظيمًا وتجاهلًا واضحًا لعقيدة الولاء والبراء في هذا الدين، فالله عز وجل يقول: (( قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) ) (الأنعام: 14) .

ويقول سبحانه عن نبيه نوح عليه السلام مع ابنه (( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) ) (هود:46 ) .

ويقول سبحانه (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) ) (الحجرات: 10) .

ويقول عز وجل (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ) ) (التوبة: 71) .

وفي ضوء هذه الآيات وأمثالها من القرآن الكريم يتبين المزلق الكبير لتعريف ( نحن) و (الأخر) إذ كيف تحصر كلمة ( نحن) في المواطنين السعوديين الذين يجمعهم دين واحد ووطن واحد ... الخ، إذن فأين محل إخواننا المسلمين في الأوطان الأخرى، ومن بينهم العلماء والعباد والمجاهدين والدعاة والمصلحين ؟ وهل هؤلاء يخرجون من دائرة (نحن) ؟ أين الولاء والموالاة بين المؤمنين إذا ساويناهم بالأخر الكافر أو الملحد والمنافق ممن يعيشون خارج الوطن.

ثانيًا: وقالوا في تعريف من (نحن) ؛ بأنهم (الذين ينتسبون إلى الإسلام في الوطن الواحد وإن تنوعوا مذهبيًا وفكريا وثقافيًا واجتماعيا، فلا يجوز استخدامه لاختراق الوحدة الوطنية) ، إنه لا يخفى ما في ذلك من خرق لعقيدة الولاء والبراء في هذا الدين، فكم في الوطن الواحد من العقائد الباطلة الكفرية التي يخرج صاحبها من الإسلام؛ كمن يعبد غير الله عز وجل ويستغيث به ويدعي أن غير الله تعالى يعلم الغيب كغلاة الشيعة والصوفية، وكم في الوطن الواحد من يكفر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ويعاديهم، ويقذف نساء النبي- صلى الله عليه وسلم- العفيفات الطاهرات، وكم في الوطن الواحد من المنافقين الذين يبطنون العداء للإسلام وأهله ويوالون الغرب وأهله، فهل هؤلاء هم منا ونحن منهم لأننا وإياهم نعيش في وطن واحد ؟ إننا بهذا الفهم نعود إلى صورة من صور الجاهلية الأولى التي جاء هذا الدين للقضاء عليها وجعل رابطة العقيدة والإيمان فوق كل رابطة يعادى من أجلها ويوالى من أجلها ويحب من أجلها ويبغض من أجلها.

قال صلى الله عليه وسلم: (( من تعزى بعزاء أهل الجاهلية فأعضوه هن أبيه ولا تكنوا ) ).

فسمع أبي بن كعب رجلًا يقول: يا لفلان ! فقال: أعضض أير أبيك فقال: يا أبا المنذر! ما كنت فاحشًا، فقال بهذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد في مسنده (20728) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (269) .

ويشرح شيخ الإسلام هذا الحديث فيقول: (ومعنى قوله: من تعزى بعزاء الجاهلية) يعني يتعزى بعزؤاهم، وهي الانتساب إليهم في الدعوة، مثل قوله: يا لقيس! يا ليمن! ويا لهلال! ويا لأسد، فمن تعصب لأهل بلدته، أو مذهبه، أو طريقته، أو قرابته، أو لأصدقائه دون غيرهم كانت فيه شعبة من الجاهلية، حتى يكون المؤمنون كما أمرهم الله تعالى معتصمين بحبله وكتابه وسنة رسوله) مجموع الفتاوى 28/422.

والآيات في كتاب الله عز وجل كثيرة تلك التي تركز على عقيدة الولاء والبراء، وأنها هي الأصل في رابطة الحب والبغض والاجتماع والافتراق، وأكتفي بقوله تعالى: (( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ) ) (الممتحنة: 4) .

هذه هي الملة الإبراهيمية وهذا هوا الدين المحمدي، فهل أصبحت الوحدة الوطنية هي صاحبة السيادة العليا التي يعقد عليها الولاء والبراء، إن مما تعلمناه من كتاب ربنا عز وجل وسيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأقوال سلفنا الصالح أن الأصل الذي يقوم عليه الولاء والوحدة والإتلاف هوا التوحيد والبراءة من الشرك وأهله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت