فهرس الكتاب

الصفحة 24782 من 27345

الثاني: بروز هذا الأمر -إنجاز العمل العظيم الكثير، في وقت قصير وظروف صعبة- وضبط المواعيد، وأداء الأعمال في أوقاتها، بدقة متناهية، تصل في بعضها إلى أن الدقائق مؤثرة في صحة العمل وسلامته، أو في فضله وكماله، قال جابر:"فلم يزل واقفًا -أي عند المشعر الحرام- حتى أسفر جدًا فدفع قبل أن تطلع الشمس". ومع بيان هذا الجانب ووضوحه في جميع أركان الإسلام، وبخاصة الصلاة، إلا أنه في الحج أكثر بروزًا وأثرًا وجلاء، وستكون تلك الوقفات مختصرة، تناسب المقام وتدل على المقصود، والحر تكفيه الإشارة، وسأكتفي من القلادة ما أحاط بالعنق، فليس المراد هو الحصر والاستقصاء، وإنما المهم هو التذكير والاعتبار، ومراجعة النفس، واستثمار هذه الفرص العظيمة، والمواسم الجليلة، وتحويلها من نصوص، وعادات وأشكال إلى عبادة خالصة وواقع علمي، وأثر تربوي، وكائن يمشي على الأرض، فـ:"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"وإليكموها، -بارك الله فيكم-، وتقبّل منا ومنكم:

1)بادئ ذي بدء فـ"الحج أشهر معلومات"ليس في كل وقت وحين، كالعمرة وكثير من العبادات، بل حددت بدايته ونهايته، ورسم لكل نسك وقت يناسبه، ويكون فيه أداؤه، لا يصح قبله ولا بعده، وهو على أنواع، فمن تلك المناسك ما هو واسع الوقت، يصح تقديمه أو تأخيره، ولكنه ضمن دائرة التحديد، لا يتجاوز أشهر الحج وأيامه، كسعْي الحج للقارن والمفرد، ومنه ما هو مضيق الوقت محدد الساعات، لا يصح أداؤه في غير تلك الساعات المحددة له، وقد يترتب على ذلك فوات الحج أو نقصانه"الحج عرفة"،"وقفت ههنا وجمع كلها موقف"، وفي حديث عروة بن مضرس، قال-صلى الله عليه وسلم-:"من شهد صلاتنا هذه -يعني بالمزدلفة- فوقف معنا حتى دفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه". وبينهما واجبات وأركان تتفاوت مددهما، ووقت أدائهما؛ كطواف الإفاضة ونحر الهدْي...وهلمّ جرًّا.

2)تأمل معي-بارك الله فيك- أيام الحج الخاصة، ابتداء من يوم الثامن -يوم التروية- إلى اليوم الثالث عشر آخر أيام التشريق، ستة أيام فقط إذا أردنا مراعاة الأفضل والأكمل، وإلا فهي ثلاثة أيام بلياليها، بل أقل من ذلك حيث لا تزيد على (60) ساعة؛ لمن أراد الاقتصار على الواجب دون سواه، ومع ذلك كم يُنجز في هذه الأيام، أو بالأصح في هذه الساعات من أعمال عظيمة، لو ترك الأمر لاختيار المسلم وظروفه لربما بقي عشرات الأيام لم ينجزها، إن لم تكن شهورًا أو أعوامًا؛ ممن طبيعتهم التسويف والتأجيل، وتأخير عمل اليوم إلى الغد، وقد تأتيه منيّته قبل أن يجيء غده.

وأشير إلى أهم تلك الأعمال؛ ابتداء من الإحرام يوم التروية، ثم الانتقال إلى منى والمبيت، ثم الذهاب إلى عرفة وما فيها من أعمال عظيمة ترتبط بعاجل المسلم وآجله، ويأتي الذهاب إلى مزدلفة والمبيت فيها، ومن ثم الوقوف عند المشعر الحرام وما فيه من دعاء وابتهال، ثم الانصراف إلى منى والبدء في رمي الجمرة، ثم النحر والحلق والإفاضة، كل ذلك قد يكون في ساعات معدودة، وبقية أيام التشريق لها أعمال معروفة، ومع ضيق الوقت وقصره، فهو ليس بالعمل الهيّن ولا اليسير نظرًا لا جتماع الناس وازدحامهم.

وبعد أن تنتهي أيام التشريق يتعجب المرءُ من نفسه!

هل حقيقة أدى تلك الأعمال الكثيرة العظيمة في تلك الأيام القصيرة؟ بل يجد لديه في أيام العيد والتشريق من الوقت والفراغ ما يستثمره في كثير من العبادات وطلب العلم وزيارة الحجّاج، مما ليس مفروضًا عليه، حيث تكون البركة، والحسنات بعضها يأخذ برقاب بعض، بل هناك من يمارس التجارة والتكسب مع قيامه بمناسك الحج أخذًا بقوله -تعالى-:"ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم".

ومن هنا فإن العبرة ليست بطول الوقت وقصره، وإنما بما يجعله الله فيه من بركة ونفع، ولذلك أسباب كثيرة كالإخلاص، والترتيب، والأخذ بالعزيمة والحزم، ولو فعلنا ذلك في كل أيامنا وليالينا لتغيرت أحوالنا:

نعيب زماننا والعيب فينا ... ...

وما لزماننا عيبٌ سوانا

ونهجو ذا الزمان بغير حق ... ...

ولو نطق الزمان بنا هجانا

3)ولننظر إلى هذه الدقة المتناهية في الالتزام بالوقت، وتأثير ذلك على العبادة؛ إما صحة أو كمالًا، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقف في عرفة ولا ينصرف حتى تغيب الشمس ويختفي القرص، مع حاجته الماسة، وحاجة الناس إلى أن يسيروا إلى مزدلفة في النهار، وما خيّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، وهو الذي قال:"خذوا عني مناسككم"، ولذلك فالقول الراجح: أن من انصرف قبل مغيب الشمس بدون عذر، ولم يرجع فقد أَثِمَ وعليه دم.

وفي مزدلفة يكون الانصراف -إن تيسر-بعد الإسفار جدًا وقبل طلوع الشمس، وهو زمن يسير لا يتعدى دقائق معدودة؛ كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت