وفي مزدلفة يكون الانصراف -إن تيسر- بعد الإسفار جدًا وقبل طلوع الشمس، وهو زمن يسير لا يتعدى دقائق معدودة؛ كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ورمي الجمار أيام التشريق يكون بعد الزوال ولا يكون قبله، فمن رمى الجمار قبل الزوال فعليه إعادة الرمي على القول الصحيح، إلا أصحاب الأعذار يوم الثاني عشر، فيجوز لهم التقديم، على القول الراجح.
ومن غابت عليه الشمس يوم الثاني عشر وتأخر في الخروج من منى بضع دقائق دون عذرلزمه المبيت ورمى الثالث عشر.
إنها تربية للمسلم على أداء الأعمال في أوقاتها وتعويد له على الدقة في الالتزام، وسرعة الإنجاز، وضبط المواعيد،"واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولًا نبيًا"، وبعد:
إن من مقتضيات المرحلة المقبلة، والمواجهة المحتملة الإعداد المتكامل، والتربية الشاملة، وبناء المجتمع على أصول أصيلة، وقواعد متينة، تحقيقًا لقوله - تعالى-:"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة"، فمن الخطأ تغليب جانب على جانب، أو العناية بركن دون آخر، ومن أهم الميادين التي تتربى فيها الأمة تربية متكاملة متوازنة؛ أداء أركان الإسلام وواجباته كما شرع الله ،"وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه"، وهذه الشعائر والأركان ليست عبادات مجردة لا علاقة لها بأمور دنياه، بل إن آثارها الدنيوية ظاهرة جلية، ولذلك قال -سبحانه-:"وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ" (البقرة: من الآية 45) ، وقال:"إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ" (العنكبوت: من الآية45) ، وقال:"أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" (الرعد: من الآية28)
وقال - صلى الله عليه وسلم:"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج"إلى أن قال:"ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه لو وجاء".
فالارتباط وثيق بين أمور الدنيا والآخرة، بعضها آخذ برقاب بعض، والحج من أعظم تلك الميادين التي جمعت بين أمور الدين والدنيا، وتكاملت فيها العبادات القلبية، والبدنية، والمالية، بل هو نوع من أنواع الجهاد كما ثبت عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم- في حديث عائشة"جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة"، وبذلك نحقق أمر الله لأبينا إبراهيم -عليه السلام-:"وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق* ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام".
ومن أجل أن يكون الحج مقبولًا، ويؤتي ثماره في العاجل والآجل لابد من التزام المنهج الصحيح، والحج كما حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حيث قال:"خذوا عني مناسككم"، مع البعد عن تعقيد مناسك الحج والإتيان بتفصيلات لم ترد في السنة، والأحاديث الواردة في مناسك الحج محدودة، ومن أعظمها حديث جابر الصحيح، وكثير من كتب المناسك المتداولة، جعلت الحج شاقًا وعسيرًا، بينما كان هدي النبي - صلى الله عليه وسلم- التيسير ودفع المشقة،"فما سئل - يومئذ - عن شيء عما يقدم أو يؤخر إلا قال: افعل ولا حرج"، بل قال - سبحانه-:"وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ" (الحج: من الآية78)
وأنصح الشباب بالبعد عن الخلاف في المسائل الفرعية، فقد قال ابن مسعود -رضي الله عنه-:"الخلاف شر"، وكان ذلك في الحج في قضية إتمام الصلاة في منى أيام الحج.
تقبّل الله منا ومنكم، وجعلنا ممّن وصفهم بقوله -في آيات الحج-:"ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار* أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب".
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،،،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
* نشر في موقع (الإسلام اليوم) بتاريخ 7/12/1423.