فهرس الكتاب

الصفحة 24855 من 27345

أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه, وهو محبته إياكم؛ وهو أعظم من الأول, كما قال بعض الحكماء العلماء؛ ليس الشأن أن تُحِبَّ, إنما الشأن أن تُحَبَّ.

وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) . [آل عمران: 31] .

ويقول الإمام ابن القيم- رحمه الله تعالى-:"لما كثر المدّعون للمحبة طولبوا بإقامة البيّنة على صحة الدعوى؛ فلو يُعطى الناس بدعواهم لادّعى الخليّ حرقة الشجيّ، فتنوّع المدّعون في الشهود، فقيل: لا تُقبل الدعوى إلا ببيّنة: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) . [آل عمران: 31] ."

"فتأخر الخلق كلهم, وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأخلاقه.[من مدارج السالكين 3/9[."

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى-:"فكل من ادّعى أنه يحب الله ولم يتبع الرسول فقد كذب, ليست محبته لله وحده, بل إن كان يحبه فهي محبة شرك, فإنما يتبع ما يهواه كدعوى اليهود والنصارى محبة الله, فإنهم لو أخلصوا له المحبة لم يحبوا إلا ما أحب, فكانوا يتبعون الرسول, فلما أحبوا ما أبغض الله مع دعواهم حبه كانت محبتهم من جنس محبة المشركين, وهكذا أهل البدع، فمن قال؛ إنه من المريدين لله المحبين له، وهو لا يقصد اتباع الرسول والعمل بما أمر به وترك ما نهى عنه, فمحبته فيها شوب من محبة المشركين واليهود والنصارى, بحسب ما فيه من البدعة، فإن البدع التي ليست مشروعة، وليست مما دعا إليه الرسول لا يحبها الله، فإن الرسول دعا إلى كل ما يحبه الله. فأمر بكل معروف ونهى عن كل منكر".] الفتاوى 8/361,360[.

والمقصود من إيراد الآية التي في سورة آل عمران، وكلام أهل العلم عندها, وكذلك الحديث، التنبيه في هذه الحملة المباركة إلى أن يراجع كل منا نفسه، ويختبر صدق محبته لله -تعالى- ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- في قوْمته ونصرته لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ إن علامة حبنا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وصدقنا في نصرته أن نكون متّبعين لشرعه وسنته، وألاّ يكون في حياتنا أمور تسيء إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتؤذيه، فنقع في التناقض بين ما نقوم به من النصرة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبين أحوالنا، فيقع الفصام النكد بين القول والعمل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) [الصف: 2-3] .

* فيا أيها الذي تعبد الله تعالى بغير ما شرع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وقام لنصرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: زادك الله غيرة وغضبًا لله -تعالى- ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولكن اعلم أن الذي قمت لنصرته هو القائل:"من عمل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو ردّ". (البخاري:2697) .

وعليه فإن أي ابتداع في الدين سواء كان ذلك في الأقوال أو الأعمال مما يؤذي نبينا محمدًا- صلى الله عليه وسلم- ويسيء إليه، فاحذرْ أن تكون ممن يدّعي محبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو في نفس الوقت يؤذيه ويعصيه؛ فإن هذا يقدح في صدق المحبة والاتّباع, ويتناقض مع نصرته ونصرة سنته، وأشنع من هذا من يدّعي محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ونصرته ثم هو يقع في الشرك الأكبر، ويدعوه أو يدعو عليًا والحسين وغيرهم من الأولياء من دون الله، أو يؤذي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بسبّ أزواجه أو أصحابه، فإن كل ذلك يدل على كذب أولئك المدّعين.

* ويا أرباب البيوت والأسر الذين قمتم لنصرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، إن هذا منكم لعمل طيب مشكور؛ ولكن تفقّدوا أنفسكم فلعل عندكم، وفي بيوتكم، وبين أهليكم ما يغضب الله -عز وجل- ورسوله -صلى الله عليه وسلم- من آلات اللهو، وقنوات الإفساد، ومجلات اللهو والمجون، فإن كان كذلك فاعلموا أن إصراركم عليها واستمراءكم لها لممّا يسيء إلى الرسول ويؤذيه، ويتناقض مع صدق محبته؛ إذ إن صدق المحبة له تقتضي طاعته واتّباعه؛ لأنّ المحبّ لمن يحب مطيع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت