إن الذي يدين الله سبحانه وتعالى بالعقيدة الإسلامية ويتخذها منهجًا ونبراسًا له ما لم يتخذه موقفًا واضحًا محددًا من أعداء العقيدة سواء أكانوا عباد قبور وأضرحة، أم كانوا سبابة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم كانوا باطنيين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر المحض، أم كانوا من المغضوب عليهم والضالين إخوان القردة وعباد الصليب، إن الذي لا يتخذ من أولئك موقفًا واضحًا محددًا ليس إلا جاهلًا ببدهيات العقيدة مما لا يعذر مسلم بجهله، أو متاجر بدعوى اتباع العقيدة والدعوة إليها ، أليس الأنبياء كلهم جميعًا قد بعثوا لعبادة الله واجتناب الطواغيت؟ فأين اجتناب الطواغيت؟
المعلم الثاني: تعبيد الناس لله وحده
لقد كانت مقولة كل نبي لقومه (اعبدوا الله مالكم من إله غيره) وهي - مع ما فيها من دلالة على التوحيد- دليل على أن دعوة الأنبياء إنما تهدف وتقصد تعبيد الناس لله سبحانه وتعالى، ومن ثم فالداعية السائر على خطى الأنبياء المقتفي آثارهم جدير بأن يتذكر كل حين ويستشعر كل آن أن غاية دعوته ومنتهى مقصده هو تعبيد الناس لله رب العالمين، وأن يعطي سائر أهدافه مكانها الطبيعي وحجمها المعقول؛ حينها لن يصبح داعية لنفسه ولا لتجميع الناس حول شخص أو حتى حول اجتهاداته أو اقتناعاته.
المعلم الثالث: لا أسألكم عليه أجرًا
قال سبحانه وبحمده: (( كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوحٌ ألا تتقون إني لكم رسولٌ أمين فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ) )، وقال سبحانه وبحمده (( كذبت عادٌ المرسلين إذ قال لهم أخوهم هودٌ ألا تتقون ) )إلى آخر الآيات، وكل نبي يقول هذه المقولة (( ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ) ).
ويأمر الله سبحانه وتعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقولها واضحة صريحة (( قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ) )، ومن ثم فإن السائر على منهج الأنبياء ينبغي أن يقولها صريحة بلسان المقال (( ما أسألكم عليه أجرًا ) )إنني أدعو إلى قضية واحدة إلى عبادة الله (( اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) )عبادة الله بمعناها الشامل ومفهومها الواسع فلست أريد أي أجر كان.
إن أولئك الذين يتاجرون بالكلمة فيقولون كلمة أو يسطرون أخرى ويرجون من ورائها أجرًا، لا يفقهون حق الفقه منهج الأنبياء أو هم متاجرون بدعوتهم، وقد يبلغ الأمر أن يقول أحدهم كلمة ويشهد الله على ما في قلبه، وهي كلمة يريد من وراءها أجرًا قد يكون مالًا محددًا يقبضه ويتلقاه، وقد يكون شهرة بين الناس أو جاهًا أو غير ذلك.
إن قوله تعالى: (( ما أسألكم عليه من أجر ) )نكرة في سياق النفي قد دخلت عليها من الزائدة فهي في أعلى صور العموم، إن أي أجر وأي ثمرة عاجلة يريدها صاحبها في الدنيا كفيلة بأن تبعثر عليه الأوراق، وهي وثيقة اتهام له بانحرافه عن منهج الأنبياء، أما الدعاة الصادقون الذين يقتفون هدي النبوة ويسيرون على منهجها فهم أولئك الذين يقولون ما يعتقدون أنه الحق ويدينون الله عز وجل به دون أن يرجوا من وراء ذلك أجرًا في الدار الدنيا أيًّا كان ذلك الأجر مالًا أو جاهًا.
المعلم الرابع: الأمة الواحدة
تبدو هذه قضية واضحة المعالم، يدركها قارئ كتاب الله عز وجل حين يتأمل أي سياق ورد في قصص الأنبياء، بل قد نص الله جل وعلا على ذلك تعقيبًا على قصص الأنبياء قائلًا: (( و إن هذه أمتكم أمة واحدة ) )، إن هذا الأمة الواحدة لا ينتهي مداها في دار الدنيا بل يمتد هناك إلى الدار الآخرة حين يقف الناس للحساب والجزاء والمساءلة، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت؟ فيقول نعم، فيدعى قومه فيقال: لهم هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد فيقال لنوح من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته ،قال: فذلك قوله"وكذلك جعلناكم أمة وسطا"قال:والوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم"رواه البخاري.
إن هذا يجعل المسلم يتخطى حاجز الزمن؛ ليرى أنه ينتمي إلى جيل واحد وإلى أمة واحدة وحزب واحد ألا وهو حزب الله (( أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) )، فهو يرى أن تاريخه لا يقف عند حدود ستين عامًا عند آبائه وأجداده، أو عند فلان وفلان، بل ليس عند حدود هذه الأمة؛ فهو تاريخ ضارب بأطنابه كله في جذور التاريخ منذ أن هبط آدم عليه السلام؛ فهو يرى أنه ينتمي إلى أمة واحدة.
وتجنى هذه الثمرة وتتم وحدة هذه الأمة يوم القيامة حين تشهد هذه الأمة لأنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، هناك في المحاكمة والمقاضاة، حينها يتصل الوثاق وهذا الرباط فتأتي هذه الأمة لتشهد يوم يهان الظالمون ويسحبون على وجوههم، لتشهد بأن نوح بلغ الرسالة، وأن هودًا أدى الأمانة، وأن صالحًا قد بلغ ما أمر به، وتشهد لجميع أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم.