فهرس الكتاب

الصفحة 24878 من 27345

ثالثًا: يفيد هذا أنهم يعرفونه؛ فليس غريبًا عليهم، وليس نكرة فيهم، ولهذا قالوا لصالح (قد كنت فينا مرجوًا قبل هذا) كنا نعرفك ونؤمل فيك الخير ونرجوه.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم معروفًا عند قومه بالصادق الأمين عليه أفضل الصلاة والسلام، وكان يحمل الكل ويكسب المعدوم ويعين على نوائب الحق، كان يأتيه الضعيف فيعينه، والمحتاج فيسد حاجته، ولهذا فالدعاة إلى الله عز وجل السائرون على منهج الأنبياء حريٌ بهم أن يكونوا أعلامًا شامخة في أقوامهم يعرفهم الجميع القاصي والداني.

المعلم السادس: رعي الغنم

حين سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن رعيه للغنم أجاب بأن هذا شأن الأنبياء، وأن هذا أمر اختاره الله لأنبيائه؛ فما من نبي إلا ورعى الغنم، والسكينة والوقار كما قال صلى الله عليه وسلم في أهل الغنم.

لقد كان الأنبياء رعاة وقادة للبشرية ومن ثم كان رعي الغنم تهيئة وتربية وإعدادًا لهم، ولهذا نرى أسلوب الرفق والحكمة يغلب على منهج الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فيقول الله جل وعلا لموسى وهارون: (( اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولاله قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى ) )، وإبراهيم عليه السلام يقول مخاطبًا لأبيه ناصحًا وادًا (( يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطًا سويًّا ) )بلغة الهدوء والمنطق والإشفاق والنصيحة، وأما محمد صلى الله عليه وسلم فما عرفت البشرية أرحم منه صلى الله عليه وسلم:

وإذا رحمت فأنت أم أو أب *** هذان في الدنيا هم الرحماء

وإذا غضبت فإنما هي غضبة *** لله لا حقدٌ ولا شحناء

فما عرفت البشرية أرحم ولا أرق فؤادًا منه صلى الله عليه وسلم (( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتم جريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوف الرحيم ) )فالدعاة إلى الله عز وجل ينبغي أن يكون منطقهم ورائدهم قوله صلى الله عليه وسلم:"ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه".

المعلم السابع: الوضوح

مع ما اتسم به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فقد واجهوا قومهم بانحرافاتهم مواجهة صريحة لا لبس فيها ولا غموض، فلوط عليه السلام يقول لقومه: (( أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ) )، وشعيب عليه السلام يقول الله عز وجل عنه: (( وإلى مدين أخاهم شعيبًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ) ).

وإبراهيم عليه السلام الذي كان رحيمًا رقيقًا مع أبيه يعمد إلى أصنام قومه فيكسرها ويحطمها؛ فيعقدون له مجلس المناظرة والمحاكمة فيقولون له: أ أنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ فيقول ساخرًا متهكما (( بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون * فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ) )،قال مخاطبًا قومه: (( أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئًا ولا يضركم أفٍ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ) )ويقول محاجًا لطاغية عصره: (( إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ) ).

وموسى عليه السلام الذي أرسله الله إلى فرعون وأمره أن يقول قولًا لينًا (( قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورًا ) (( قال فرعون وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ) )إنه موسى الذي أمره الله بالقول اللين.

ومن ثم فإن الرفق والقول اللين مع أنه منهج لا يجوز تخطيه ولا المساومة عليه لا يعني السكوت عن قضايا الدعوة، ولا السكوت عن أخطاء الناس وانحرافاتهم وضلالتهم؛ فها هم أنبياء الله يعلنونها صريحة ويواجهون أقوامهم بشركهم وضلالهم مواجهة صريحة.

المعلم الثامن: كان الأنبياء يعيشون قضية عصرهم

لقد كان الأنبياء عليهم السلام يعيشون قضايا عصرهم؛ فلوط عليه السلام دعا إلى التوحيد ثم ندد بالفساد الأخلاقي الذي كان عليه قومه، وشعيب عليه السلام دعا إلى التوحيد وندد بالفساد الاقتصادي والظلم الذي كان عليه قومه، وموسى دعا إلى التوحيد والإيمان وندد بالاستعباد والإهانة للناس (( وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ) ).

وهكذا الدعوة التي تسير على منهج الأنبياء ينبغي أن تقتفي معالم هذا المنهج؛ فتعيش قضية عصرها. إنه لا يسوغ أن يعيش امرؤ في بلد يعج بدعاء غير الله وتقديس الأضرحة، ولا يعرف حينها من يعيش هذا العصر من قضية العقيدة إلا قضية الأسماء والصفات، وأن القرآن منزل غير مخلوق.

وهكذا في أي عصر ينبغي أن يعيش الداعية قضية عصره، بل قد كان الأنبياء عليهم السلام -مع أن أقوامهم لم يستجيبوا بعد لقضية التوحيد- يتحدثون عن الفساد والضلال والانحراف الذي كان في عصرهم، فلا ترى سورة يذكر فيها لوط إلا ويذكر فيها الحديث عن الفساد والشذوذ الذي كان عليه قومه، ولا سورة يذكر فيها شعيب إلا وترى حديثه عن الفساد الاقتصادي وعن بخس الناس أموالهم وحقوقهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت