فهرس الكتاب

الصفحة 24903 من 27345

فمن تأمل سريان آثار الأسماء والصفات في العالم وفي الأمر يتبين له أن مصدر قضاء هذه الجنايات من العبيد، وتقديرها هو من كمال الأسماء والصفات والأفعال، وغايتها أيضا مقتضى حمده ومجده، كما هو مقتضى ربوبيّته وألوهيته. فلله في كل ما قضاه وقدّره الحكمة البالغة، والآيات الباهرة، والله سبحانه دعا عباده إلى معرفته بأسمائه وصفاته، وأمرهم بشكره ومحبته وذكره وتعبده بأسمائه الحسنى وصفاته العلا؛ لأن كل اسم له تعبّد مختص به، علمًا ومعرفة وحالًا، وأكمل الناس عبودية: المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر فلا يحجبه اسم عن اسم آخر، كما لا يحجبه التعبد باسمه (القدير) عن التعبد باسمه (الحليم الرحيم) ، أو يحجبه عبودية اسمه (المعطي) عن عبودية اسمه (المانع) أو عبودية اسمه (الرحيم، العفو، والغفور) عن اسم (المنتقم) ، أو التعبد بأسماء (البر والإحسان واللطف عن أسماء العدل والجبروت، والعظمة والكبرياء، وهذه طريقة الكمال من السائرين إلى الله، وهي طريقة مشتقة من قلب القرآن قال تعالى:(ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ... ) (6) والدعاء بها يتناول دعاء المسألة ودعاء الثناء ودعاء التعبد (7) ، وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها؛ فالله تعالى يحب موجب أسمائه وصفاته، فهو (عليم) يحب كل عليم، وهو (جواد) يحب كل جواد، (وتر) يحب الوتر (جميل يحب الجمال) عفو يحب العفو وأهله، (حيي) يحب الحياء وأهله، (برٌ) يحب الأبرار، (شكور) يحب الشاكرين، (صبور) يحب الصابرين، (حليم) يحب أهل الحلم فلمحبته سبحانه للتوبة والمغفرة، والعفو والصفح, خلق من يغفر لهم ويتوب عليهم ويعفو عنهم، وقدّر عليهم ما يقتضي وقوع المكروه المبغوض له، ليترتب عليه المحبوب له المرضيّ له.

وظهور أسماء الله وصفاته في هذه الحياة وفي النفس البشرية، وفي الكون كله واضح، لا يحتاج إلى دليل، إلا أن الاهتداء إلى تلك الآثار أو الانتباه لها يتوقف على توفيق الله، بل إن التوفيق نفسه من آثار رحمته التي وسعت كل شيء، فلو فكر الإنسان في هذا الكون الفسيح، وفي نفسه لرجع من هذه الجولة الفكرية بعجائب، واستفاد منها فوائد ماكان يحلم بها، ولو تأمّلنا هذه الآية الكريمة لرأينا أمورًا نعجز عن التعبير عنها, قال تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا تُرجعون، فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم) ، ومما يدلل ويؤكد أهمية هذا التوحيد هو ما تثمره أسماء الله وصفاته في قلب المؤمن من زيادة الإيمان ورسوخ في اليقين، وما تجلبه له من النور والبصيرة التي تحصّنه من الشبهات المضللة، والشهوات المحرمة.

فهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة فلكل اسم من أسماء الله له تأثير معين في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك، تجاوب مع هذه المعاني وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه.

ولكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها فالأسماء الحسنى والصفات العلا مقتضية لآثارها من العبودية، وهذا مطّرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح فمثلًا: علم العبد بتفرّد الرب تعالى بالضرّ والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يثمر له عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا وعلمه بسمعه تعالى وبصره وعلمه أنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وأنه يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يُرضي الله، وأن يجعل له تعلّق هذه الأعضاء بما يحبّه الله ويرضاه فيثمر له ذلك الحياء باطنًا، ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح، ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته توجب له سعة الرجاء، ويثمر له ذلك من أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه (8) .

وكذلك معرفته بجلال الله وعزه تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبودية الظاهرة هي موجباته.

وكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العلا، وجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية فرجعت العبودية إلى مقتضى الأسماء والصفات وارتبطت بها (9) .

وهذه الأحوال التي تتصف بها القلوب: هي أكمل الأحوال، وأجل وصف يتصف بة القلب وينصبغ به، ولا يزال العبد يمرّن نفسه عليها حتى تنجذب نفسه وروحه بدواعيه منقادة راغبة، وبهذه الأعمال القلبية تكمل الأعمال البدنية فنسأل الله أن يملأ قلوبنا من معرفته ومحبته والإنابة إليه، فإنه أكرم الاكرمين، وأجود الاجودين (10) .

1-سورة الأعراف ، آية 180

2-سورة الإسراء ، آية 11

3-سورة فصلت ، آية 40

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت