فهرس الكتاب

الصفحة 24937 من 27345

1 إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يغفر لخالد هذا الموقف مع بني جذيمة لأن مصلحة الجماعة فوق مصلحة الفرد، ولذلك قال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد.

2 إن الخطأ الذي أخطأه خالد لم يحرقه، ولم يقض عليه ولم يعزله ولم ينل من كفاءته وطاقته، إنما أُعلن خطؤه، وسمع التأنيب الضروري، وتلقى الدرس النبوي المناسب وتابع مهمته في موقعه نفسه في القيادة؛ دون أن يشهّر به أو يُستغنى عنه، بل طلب رسول الله من المسلمين عدم الاسترسال في النقد وطلب منهم الكف عن الحديث في هذا الأمر وقال:"لا تسبوا خالدًا فإنه سيف من سيوف الله. سلَه الله على المشركين" (2) .

ولقد بقي خالد رضي الله عنه في مركزه وبعد أقل من عشرين يومًا، خاض غزوة حنين وهو بموقفه قائد خيالة المسلمين. (3)

ونخلص من هذا أن خطأ الفرد سواء كان قائدًا أو جنديًا لا بد أن يعالج المعالجة المناسبة، ويحاسب المخطئ على خطئه، ولكن هذا لا يقتضي إسقاطه أو عزله أو التخلي عنه. والجماعة الحكيمة هي التي تحافظ لا على قيادتها فحسب بل على أصغر جندي من جنودها، والفرق كبير جدًا بين محاسبة المخطئ في الحدود اللازمة وبين الإجهاز عليه. (4)

ثانيًا: منهج الصديق رضي الله عنه في التعامل مع الولاة والأمراء:

كان من سنته رضي الله عنه مع عماله وأمراء عمله أن يترك لهم حرية التصرف كاملة في حدود النظام العام للدولة، مشروطًا بتحقيق العدل كاملًا بين الأفراد والجماعات، فللوالي حق يستمده من سلطان الخلافة في تدبير أمر ولايته دون رجوع في الجزئيات إلى أمر الخليفة (5) .

وكان الفاروق قد أشار على الصديق بأن يكتب إلى خالد رضي الله عنهم جميعًا: ألا تعطي شاة ولا بعيرًا إلا بأمره، فكتب أبوبكر إلى خالد بذلك فكتب إليه خالد: إما أن تدعني وعملي وإلا فشأنك وعملك، فأشار عليه بعزله ولكن الصديق أقر خالدًا على عمله (6) .

وهذا الإقرار من الصديق لخالد قد شهد به الفاروق، قائلًا:"رحم الله أبا بكر، هو كان أعلم بالرجال مني"، ويعني أن استمساك أبي بكر بخالد إنما كان على يقين في مقدرة خالد وعبقريته العسكرية التي لا يغني غناءه فيها آحاد الأفذاذ من أبطال الأمم (7) .

منهج الفاروق رضي الله عنه

كان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يرى أنه يجب على الخليفة أن يحدد لأمرائه وولاته سيرهم في حكم ولاياتهم، ويحتم عليهم أن يردوا إليه ما يحدث حتى يكون هو الذي ينظر فيه ثم يأمرهم بأمره وعليهم التنفيذ، لأنه يرى أن الخليفة مسؤول عن عمله وعمل ولاته في الرعية مسؤولية لا يرفعها عنه أنه اجتهد في اختيار الوالي. وكان يقول: أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل أكنت قضيت ما عليَّ؟ قالوا: نعم. قال: لا حتى أنظر في عمله أعمل بما أمرته أم لا.

ومعلوم أن عمر بن الخطاب عزل خالدًا رضي الله عنهما، خشية أن يفتن المسلمون به ويظنوا أنه سبب النصر.

هذه نماذج ثلاثة عرضتها كمنهج للأداء القيادي، حتى يسترشد القادة في العمل الإسلامي، فنحن مدعوون إلى أن نستن بسنة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وصحبه الكرام.

الهوامش:

(1) المنهج الحركي للسيرة النبوية، منير الغضبان ص 105-126 نقلًا عن البداية والنهاية لابن كثير ج4-275،276.

(2) إمتاع الأسماع (1-400) .

(3) المنهج الحركي للسيرة، منير الغضبان، (3-156) نقلًا عن إمتاع الأسماع (1-405) .

(4) المصدر السابق.

(5) خالد بن الوليد، صادق عرجون (321-331) .

(6) التاريخ الإسلامي (11-146) .

(7) المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت