فهرس الكتاب

الصفحة 24942 من 27345

ج-المصالح المرسلة: وهي التي لم يقم دليل من الشرع على اعتبارها، ولا على إلغائها وسميت مرسلة لأن الشارع أرسلها فلم يقيدها باعتبار ولا إلغاء (60) .

ودليل اعتبار المصلحة المرسلة عمل الصحابة رضي الله عنهم حيث حدث في زمانهم ما لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وجدت أمور، فضربوا النقود، وشادوا السجون، واتخذوا الدواوين، وجمعوا المصحف إلى غير ذلك مما يطول حصره، وقد أجمع الصحابة على قبولها بما لا يدع ريبًا ولا شكًا (61) .

شروط العمل بالمصلحة المرسلة:

1-الملائمة بين المصلحة الملحوظة، ومقاصد الشرع بالجملة بحيث لا تنافي أصلًا من أصوله ولا دليلًا من أدلته.

2-أن تكون معقولة في ذاتها بحيث إذا عرضت على أهل العقول تلقتها بالقبول ،فلا مدخل لها في التعبدات لأن عامة التعبدات لا يعقل معناها على التفصيل .

3-أن يكون الأخذ بها راجعًا إلى حفظ أمر ضروري أو رفع حرج لازم في الدين بحيث لو لم يؤخذ بتلك المصلحة المعقولة في موضعها لكان الناس في حرج شديد.

4-عدم تفويتها مصلحة أهم.

5-عدم معارضتها للقياس الصحيح (62) .

أمثلة تطبيقية:

-امتناع عمر عن إعطاء الكبراء من الزكاة تأليفًا لقلوبهم عندما قويت شوكة الإسلام ، لأنه يرى أن الحكم كان لمصلحة زالت فزال حكمها (63) .

-السفر إلى بلاد الكفر، فإن الفتوى فيه تتغير حسب المصلحة فإذا ظهر أن السفر إليها فيه مصلحة مرجوة دون أن تجر على صاحبها مفسدة جاز، وهذا من أبواب التيسير على المكلفين حفظًا لمصالحهم الدينية والدنيوية.

قاعدة"ارتكاب أخف الضررين"وأثرها في التيسير في الفتوى:

إن المتتبع لكلام أهل العلم ،وفتاويهم يدرك إلى مدى كانت هذه القاعدة معتبرة عندهم ،وقد دلت النصوص على اعتبارها .

-فمن ذلك قوله تعالى: ( ولا تسبوا الذي يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم) (الأنعام108) فأرشد سبحانه وتعالى إلى ترك سب آلهة المشركين لدرء المفسدة الأعظم وهي سب المشركين لله سبحانه وتعالى بارتكاب مفسدة أقل وهي ترك سب آلهتم.

-ومن الأدلة خرق الخضر السفينة ، حيث أن خرقه لها مفسدة، وضرر، ولكن لدفع ضرر أشد، وهو أخذ الملك السفينة برمتها .

-ومنها نهي النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله عنهم عن الإنكار على الأعرابي الذي بال في المسجد وقت تبوله حتى أتمه (64)

،وذلك أن الإنكار عليه سيؤدي إلى مفسدة أعظم ،وهي تلوث قدر أكبر من المسجد ،وكذا ثيابه ستتلوث، فأقر منكرًا لزمن معين لدفع منكر أعظم.

وهذه القاعدة من أعظم أبواب التيسير في الفتوى ذلك أن من مقاصد الشريعة تحصيل المصالح ،وتكميلها ،وتعطيل المفاسد ،وتقليلها ،فإذا تزاحمت المصالح فالواجب تحصيل الأكمل منهما ،وإذا تعارضت مفسدتان ،فالواجب درء الأكبر منهما بارتكاب الأصغر.

أمثلة تطبيقية:

-قبول إمامة الفاسق والمبتدع - ما لم تكن بدعته مكفرة - إذا لم تمكن إزالته وذلك لتحصيل الجمع والجماعة (65) .

-تولية الفاسق في القضاء إذا لم يوجد غيره لدفع مفسدة خلو البلاد من القضاء الذي يحفظ النظام أو جزءًا منه.

-العمل في المرافق المهمة، وإن كان فيها بعض المنكرات، وذلك أن خلوها من الصالحين مفسدة أعظم من الوقوع في بعض المحظورات .

مآل الفتوى وأثرها في التيسير:

من المتقرر أن الفتوى الشرعية تحقق مصالح العباد ،ولذا فإن على المفتي أن لا يفتي بما يترتب على فتواه مفاسد أكبر ،ولو كان الأمر واجبًا أو مستحبًا .قال شيخ الاسلام ابن تيمية: (على المفتي أن يمتنع عن الفتوى إن كان قصد المستفتي -كائنا من كان-نصرة هواه بالفتوى، وليس قصده معرفة الحق، واتباعه) (66) ،ومن ذلك امتناع النبي صلى الله عليه وسلم إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم لما في ذلك من فتنة على القوم الذين اسلموا حديثًا، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لهدمت الكعبة، وبنيتها على قواعد إبراهيم) (67) .

والمفتي متى امتنع عن الفتوى التي تسبب ضررًا ،فقد سلك سبيل التيسير على الناس .

التيسير في الفتوى بين الإفراط والتفريط

جرت العادة الغالبة في موقف الناس من القضايا المطروحة على العقل البشري أنهم طرفان ،ووسط، ومن تلك القضايا مسألة التيسير في الفتوى.

ففريق سلك بالناس مسلك التشديد ،فألزمهم ما لا يطيقون أو ما يشق عليهم،وأعجزهم بحجة الأخذ بالاحوط لجهله بمسالك التيسير في الفتوى ، (وهذا الدين يسر،ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) (68) ،ولربما كان سببًا في تنفير الناس عن دين الله بسبب تحريجهم بشيء جعل لهم الشارع فيه فسحة،فكان مخالفًا للهدي النبوي (يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا ) (69) وهذا التشديد يحسنه كل أحد , وهو دليل على قلة علم صاحبه ،ولعل في قصة الذي أفتى قاتل التسعة والتسعين نفسًا أنه لا توبة له دليل على ما تقدم (70) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت