فهرس الكتاب

الصفحة 24948 من 27345

إنَّ هذا الخطاب النبوي يقرأ واقع الأُمَّة المعاصر بكل تفاصيله، بعد أنْ كان الخطاب النبوي في عهد دولة الصفوة الإسلامية على شاكلة قوله صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) ( [6] ) .

والذي يدور في جعبة كثير من مثقفي الأُمَّة الإسلامية ومفكريها، بل وعامتهم أنَّ معاول الهدم الداخلي لهي قاصمة الظهر، حيث التاريخ الإسلامي القاصي منه والداني أكبر شاهد على ذلك، فإنَّ دولة المسلمين الأولى شهدت أعنف تيار نفاقي تخريبي ( [7] ) .

عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَرْبَعًا، فَأَعْطَانِي ثَلاثًا وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لا يَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلالَةٍ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لا يُهْلِكَهُمْ بِالسِّنِينَ كَمَا أَهْلَكَ الأُمَمَ قَبْلَهُمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيهَا) ( [8] ) .

وإنْ كان التاريخ قد سطَّر لنا هذا الواقع الأليم، فالحديث النبوي الذي أصبح أيضًا تاريخًا قياديًا؛ أكبر شاهد على المنهج النبوي في تخطي الأزمات، والعمل على تحدي الصعاب التي واجهت الأُمَّة الإسلامية في مرحلة طفولتها، حتى استطاعت أنْ تكون دولة ريادة، قاد الصحابة فيها العالم بفضل التخطيط النبوي الشريف.

فإننا لا يسعنا إلاَّ أنْ نقول: إنَّ عوامل النهضة اليوم ليست ذات فوارق عن الأمس، ولعل هذا ما يصبو البحث إلى الإجابة عليه، وقد تمحور النقاش حول الوحدة الإسلامية بمناقشة أسباب الانحطاط وإيجاد الحلول اللازمة، من خلال التأصيل النبوي لمعاني الوحدة الاجتماعية وأثرها في نهضة الأُمَّة، حتى يتحقق للمسلمين الحلم الذي تبدَّد باختفاء دولة الخلافة الإسلامية، التي استبدلت بالحدود الدولية، والنظرة القطرية، وذلك وفق النقاط التالية:

أولًا: مدخل في دراسة طبيعة المجتمعات:

يلاحظ المتأمِل في تطور الحضارات وتاريخ الأُمم؛ وحدةً بيِّنةً في الجهد البشري المشترك لتحقيق إنسانية الإنسان على الأرض، رغم اختلاف الوسائل وتباين الجماعات. ومصدر هذا التوحد أو السعي نحو وحدة راسخة في كيان الإنسان نابعة من أصل الفطرة الأولى التي فَطَرَ اللهُ تعالى الناسَ عليها لا تبديل لخلق الله، وما سُمِّيت فطرة إلاَّ لأنها تتماشى مع كافة ألوان الطيف البشري، وهي الطبيعة البشرية التي لا تخرج عن مألوف الإنسان، وما يميِّز هذه الفطرة أنها شمولية وعامة، تستوعب كافة أنواع التواجد الإنساني في ماضيه وحاضره، قال صلى الله عليه وسلم:"مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُولُ: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} "

[الروم: 30] ) ( [9] ) .

هذا التوحد في أصل الفطرة؛ يفسر اشتراك البشرية على اختلاف أُممها وتباعد أقطارها في صفات الإنسانية الجماعية، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الْطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيْرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} ( [10] ) ، وهذه الصفات الفطرية الداعية لوحدة الأُمَّة الإنسانية تتجسد تأسيسًا في الإيمان بإله مدبر لهذا الكون، وهذه الإرادة والمشيئة أوجدت قانونًا أخلاقيًا لتنظيم حياة الأُمَّة أفرادًا وجماعات، وبسطت تلك الإرادة الإلهية المعرفة كوسيلة تهتدي بها الأُمَّة لإدراك مفهوم التنظيم كَخُلُق نظري وواقع عملي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت