به من شيء أعاذه !! وتأمل تأكيد هذا المدد وهذا العون الإلهي لهذا العبد الرباني في قوله (لأعطينه) بتوكيد الفعل المضارع باللام ونون التوكيد، ومثله (لأعيذنه) ويا سبحان الله ! فهل يحتاج الإنسان إلى مثل هذا التوكيد من مولاه، ومن أصدق من الله قيلًا؟ ومن أوفى بعهده من الله! ولكنها البلاغة النبوية العالية التي تحلق بالنفس إلى أعلى عليين! هكذا عشنا في ظلال هذا الحديث الأدبية ، وروائعه الفنية، وتمتعنا بجمال التصوير والتعبير مع كل عبارة من عباراته بل مع كل كلمة من كلماته. وإنك لتجد متعة أروع إذا نظرت إليه نظرة كلية بعد تلك النظرة الجزئية التحليلية. فتأمل كيف بدأ الحديث بأن ذكر سبحانه أن معاداة أوليائه محاربة له، وكيف أخذ يذكر بعد ذلك مباشرة وصف أوليائه الذين تحرم معاداتهم وتجب موالاتهم ، وهم الذين يتقربون إليه بما يقربهم منه، كما أن أعداءه هم الذين يبتعدون منه بأعمالهم المقتضية لطردهم وإبعادهم منه. فقسم أولياء الله المقربين إلى قسمين: أحدهما: من تقرب إليه بأداء الفرائض . والثاني: من تقرب إليه بعد الفرائض بالنوافل. فظهر بذلك أن من ادعى أن هناك طريقًا إلى التقرب إلى الله تعالى وموالاته ومحبته سوى طاعته التي شرعها على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فهو كاذب في دعواه. فبعد الإجمال جاء التفصيل، وقبل الإجمال والتفصيل بدأ الحديث بمقدمة قوية حاسمة في إيقاعها مهددة لأعداء أولياءه، ثم ختم الحديث بنفس القوة والروعة التي بدأ بها من حيث قوة التعبير والحسم والتأكيد على ما جاء في المقدمة. فقال في بداية الحديث (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) وقال في الخاتمة: (ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) . فالمقدمة من الخاتمة والخاتمة من المقدمة. كلاهما تكمل الأخرى وتوضحها وتؤكد نفس الحقيقة بطرق متنوعة. وبين المقدمة والخاتمة رأينا تبيانًا لصفات هؤلاء الكرام البررة الذين يتقربون إلى الله بفعل الطاعات ولا يكتفون بالفرائض بل يحرصون على النوافل، حتى يتولاهم الله برعايته وعنايته. وأنت ترى هذا الحديث كالحديقة الغناء إذا تأملت أشجارها شجرة شجرة راعك ما ترى، وإذا تأملتها مجتمعة ملأتك بهجة وسرورًا، ودهشة وإعجابًا. ومن هنا فترى لزامًا علينا أن نتعرف على معنى التقرب من الله سبحانه؟. وقال الجنيد: إن الله تعالى يقرب من قلوب عباده على حسب ما يرى من قرب قلوب عباده منه، فانظر ماذا يقرب قلبك! وقال العلماء: إن من أعظم ما يتقرب بع العبد إلى ربه من النوافل كثرة تلاوة القرآن، وسماعه القرآن بفهم وتدبر. ولذا روى الترمذي عن أبي أمامة مرفوعًا: (ما تقرب العبد إلى ربه بمثل ما خرج منه) يعني القرآن. وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن لله تعالى أهلين من الناس". قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال:"هم أهل القرآن"، أهل الله وخاصته. وفي الحديث:"ما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل الزهد في الدنيا، ولا تعبدني بمثل أداء ما افترضته عليه". ولاشك أن الزهد في الدنيا ينشأ عن صحة الإيمان بالله، وعن تفضيل ما عند الله على ما عند الناس، والطموح إلى دار الخلود بما فيها من نعيم مقيم، وهذا يقتضي حسن العبادة وحسن القيام بالفرائض أولًا، وما يتبعها من السنن والنوافل ثانيًا. وفي رواية أخرى لهذا الحديث الذي نحن بصدده:"ما تقرب إلي العبد بمثل أداء قرائضي، وإنه ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت رجله التي يمشي بها، ويده التي يبطش بها، ولسانه الذي ينطق به، وقلبه الذي يعقل به، إن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبته". ومن النوافل كثرة ذكر الله تعالى بحضور القلب مع النطق باللسان، ولذلك قال معاذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله، أخبرني بأفضل الأعمال وأقربها إلى الله تعالى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أن تموت ولساك رطب من ذكر الله") . ويقول الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: (يا ابن آدم، إذا ذكرتني خاليًا ذكرتك خاليًا، وإذا ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير من الذين تذكرني فيهم) . ويراد بالذكر هنا تمجيد الله تعالى وتقديسه وتسبيحه وتهليله وتكبيره، والثناء عليه بجميع محامده. وقد حث القرآن الكريم والحديث الشريف حثًا قويًا على مواصلة العبد ذكر ربه سواءً أكان منفردًا، أم مع الناس. وقد جاء في القرآن آيات كثيرة تنوه بشأن ذكر الله، وترفع من قدر الذاكرين: (واذكر ربك كثيرًا وسبح بالعشي والإبكار) . وقوله: (واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخفية) وقوله: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب) . وللإمام ابن القيم عبارة جليلة في تصوير مكانة"الذكر لله"يقول فيها:"إن الذكر هو منزلة القوم الكبرى التي منها يتزودون وفيها يتجردون، وإليها دائمًا يترددون، والذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل، ومن منعه عزل، وهو قوت قلوب القوم متى فارقها صارت الأجساد لها قبورًا، وعمارة ديارهم التي تعطلت"