فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومن الآيات التي بيّن الله جلّ ذكره فيها مواقيت الصلاة قوله تعالى في سورة الإسراء:"أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا" (78) .
وفيها مسائل:
المسألة الأولى: مناسبة الآية لما قبلها:
لا شك أن الترتيب التوقيفي للآيات القرآنية بحد ذاته علم عظيم من علوم هذا الكتاب العزيز، وضرب من ضروب العظمة التي حيرت العقول، وأخذت بمجامع الألباب (5)
ومن هذه الآيات التي تبدو لأول وهلة أن لا صلة لها بين جاراتها قوله تعالى:"أقم الصلاة لدلوك الشمس."، وذلك أن الآيات قبلها تتحدث عن وحدانية الله عز وجل، وتقرير البعث والنشور، وامتنانه على خلقه جل في علاه بهذه النعم التي يسوقها للعباد، وتخويفه سبحانه لهم من سخطه وأليم عقابه، وأن الله تعالى ثبت ونصر عبده ونبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- من كيد الكفار المحاربين له والشانئين لدعوته ودينه، وبيّن سبحانه أن هذه سنة سنها الله عز وجل في نصر عباده المؤمنين على أعدائهم، بعد ذلك أمره بإقامة الصلاة.
فما العلاقة والمناسبة بين إقامة الصلاة وما قبلها من قضايا ؟
يوضح لنا الإمام البقاعي -رحمه الله - ذلك قائلًا:
"ولما قرر أمر أصول الدين بالوحدانية ، والقدرة على المعاد، وقرر أمرهم أحسن تقرير، واستعطفهم بنعمه ، وخوفهم من نقمه، وقرر أنه سبحانه عصمه عليه الصلاة والسلام من فتنتهم بالسراء والضراء بما أنار به من بصيرته، وأحسن من علانيته وسريرته ، صار من المعلوم أنه قد تفرغ للعبادة، وتهيأ للمراقبة، فبدأ بأشرفها فوصل بذلك قوله تعالى"أقم"أي حقيقة بالفعل، ومجازًا بالعزم عليه."الصلاة"بفعل جميع شرائطها و أركانها ومبادئها وغاياتها، بحيث تصير كأنها قائمة بنفسها، فإنها لب العبادة بما فيها من خالص المناجاة.." (6) .
وكذلك نجد الإمام أبي عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى يشير إلى شيءٍ من ذلك بقوله:"لما ذكر مكايد المشركين أمر نبيه عليه السلام بالصبر والمحافظة على الصلاة وفيها طلب النصر على الأعداء ومثله:"ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين" (7) ."
أقول: بهذين النقلين يمكن معرفة طرفًا من مناسبة الآية لما قبلها من الآيات.والله أعلم وأحكم.
المسألة الثانية: الأمر بإقامة الصلاة:
لم تأتي آية واحدة تأمر بمجرد أداء الصلاة، وإنما الأوامر الربانية تأتي بإقامة هذه الشعيرة العظيمة من شعائر ديننا الإسلامي.
قيقول الله تبارك وتعالى:"وأقم الصلاة لذكري" (8) . وقوله جل ذكره:"وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون" (9) . وغيرها من الآيات.
إنَّ هذا الأمر يدل على عناية الله سبحانه بهذه الصلاة، وعظم قدرها عنده جل وعلا، وأن المسلم لا يطالب بفعل هذه الصلاة كيفما اتفق، وإنما المطلوب من المسلم أن يقيمها حق القيام فيصلي الصلاة الشرعية بشروطها، وأركانها، وواجباتها، وخشوعها، ومستحباتها، وبروحها، حتى يكون لها الأثر في حياته وسلوكه واستقامته على أمر الله عز وجل.قال الله عز من قائل:"إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" (10) فالصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر الصلاة الشرعية التي جمع فيها المصلي قلبه على الله، وينطرح بين يديه، ويقبل عليه بكليته. وإلا فنحن نرى كثيرًا من المصلين يقعون في الفواحش والمنكرات، بله الموبقات، والسبب -والعلم عند الله - أن صلاة كثير من الناس لا روح فيها ولا خشوع
عن ضمرة بن حبيب أن رسول الله صلى عليه وسلم قال:
( إن أول شئ يرفع من هذه الأمة الأمانة والخشوع حتى لا تكاد ترى خاشعا) (11) .
والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
المسألة الثالثة:المراد بدلوك الشمس:
أصل الدلوك من الميل والشمس تميل إذا زالت أو غربت وقيل من الدلك والإنسان عند الزوال يدلك عينيه لشدة ضوء (12) .
قال ابن عطية:
"الدلوك هو الميل في اللغة فأول الدلوك هو الزوال وآخره هو الغروب ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمى دلوكا لأنها في حالة ميل فذكر الله تعالى الصلوات التي تكون في حالة الدلوك" (13) .
وللعلماء في الدلوك قولان:
أحدهما: أنه زوال الشمس عن كبد السماء قاله عمر وابنه وأبو هريرة وبن عباس وطائفة سواهم من علماء التابعين وغيرهم.
الثاني: أن الدلوك هو الغروب قاله علي وبن مسعود وأبي بن كعب وروي عن بن عباس قال الماوردي:"من جعل الدلوك اسما لغروبها فلأن الإنسان يدلك عينيه براحته لتبينها حالة المغيب ومن جعله اسما لزوالها فلأنه يدلك عينيه لشدة شعاعها".
وقال أبو عبيد:"دلوكها غروبها ودلكت براح يعني الشمس أي غابت".وأنشد قطرب: هذا مقام قدمى رباح ذبب حتى دلكت براح براح. بفتح الباء على وزن حزام وقطام ورقاس اسم من أسماء الشمس ورواه الفراء بكسر الباء وهو جمع راحة وهي الكف أي غابت وهو ينظر إليها وقد جعل كفه على حاجبه.
قال تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله-: