فهرس الكتاب

الصفحة 25094 من 27345

والتوبة بالنسبة للحاج أوجب عليه من غيره؛ لأن قبول حجّه مشروط بالتوبة الصادقة، وترك الرّفث والفسوق، والنّدم على ما فرّط منه من الذنوب، والعزم الأكيد على عدم العودة إليها بعد انقضاء موسم الحج، قال الله تعالى: (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) .

ومن ترك المعاصي حال حجه وهو عازم على معاودتها بعد الحج، فإنه لم يتب توبة صادقة، ولم يترك الرفث والفسوق على الحقيقة، بل لا يزال متصفًا بالفسق؛ لأنه لم يتب حقيقة من الذنب، فلا يعدّ حجّه مبرورًا، ولا يحصل له تكفير جميع الذنوب في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"متفق عليه.

ومن فضل الله تعالى على الحاج أنه يجتمع له فضل الزمان، وفضل المكان، وفضل الحال. فينبغي أن يكون ذلك دافعًا له إلى المبادرة إلى التوبة الصادقة من جميع الذنوب، واستثمار هذه الفضائل العظيمة في استباق الخيرات، والمسارعة إلى مغفرة الله تعالى وجنة عرضها الأرض والسماوات.

ومما يُشرع في هذه الأيام: الصيام، فيسنّ للمسلم أن يصوم تسع ذي الحجة كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصومها، فقد ثبت من حديث حفصة -رضي الله عنها- قالت:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر".

ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم- حثّ على العمل الصالح فيها، والصيام من أفضل الأعمال، كيف وقد قال الله عنه في الحديث القدسي:"كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به"أخرجه البخاري ومسلم، وأخرجا كذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"من صام يومًا في سبيل الله باعد الله بين وجهه وبين النار سبعين خريفًا". الله أكبر، ما أعظمه من أجر! وما أجزله من عطاء! صيام يوم واحد ابتغاء وجه الله -تعالى- لا رياء فيه ولا سمعة ولا طلبًا لعرَض دنيوي، يباعد الله به بين صاحبه وبين النار مسيرة سبعين عامًا!! فما بالكم بمن يصوم تسع ذي الحجة، هذه الأيام التي اختصت بمزيد من الشرف والكرامة!

وإن عجزت أيها المسلم، وضعفت همتك عن صيام التسعة كلّها، فلا تعجز عن صيام ثلاثة أيام منها من أولها أو وسطها أو آخرها، فإن صيام ثلاثة أيام من كل شهر سنة متبعة، فإذا كنت محرومًا من صيامها في كل شهر، فلا تقعد عن صيامها في هذا الشهر الكريم وبخاصة في العشر الأول منه، وإن ضعفت همّتك عن هذا، أو شُغلت عنه، فإيّاك أن يفوتك صيام يوم عرفة، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عن صيامه:"أحتسب على الله أن يكفّر السّنة الماضية والسّنة القابلة"أخرجه مسلم.

وهذا إنما يُستحبّ لغير الحاج، أما الحاج فلا يُشرع له صيامه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يصمه في حجّه، وحتى يتقوى بالفطر على الذّكر والدعاء في ذلك اليوم العظيم.

وأعظم ما ينبغي فعله في هذه الأيام: الذكر بجميع أنواعه من تكبير وتسبيح وتهليل وتحميد ودعاء واستغفار وقراءة القرآن لقوله تعالى: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) وهي عشر ذي الحجة كما سبق، ولقوله -صلى الله عليه وسلم-:"فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد"رواه أحمد بإسناد صحيح.

وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإكثار من التهليل والتكبير والتحميد فيها دون غيرها من العبادات، دليل على أنها من آكد العبادات والشعائر في هذه الأيام العشر.

وقد أدرك ذلك سلف الأمة -رضي الله عنهم- فكانوا يلهجون بذكر الله منذ دخول العشر، ويعلنون ذلك في بيوتهم ومساجدهم وأسواقهم وأماكن أعمالهم، ويذكرون الله على كل أحوالهم.

وقد جاء في صحيح البخاري:"وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبّران، ويكبّر الناس بتكبيرهما"، وفيه أيضًا:"وكان عمر -رضي الله عنه- يكبر في قبته بمنى، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق، حتى ترتج منى تكبيرًا"والآثار في هذا الباب كثيرة.

والإكثار من التكبير والجهر به من الشعائر التي يشابه بها المقيمون حجاج بيت الله الحرام.

وقد أصبح التكبير في هذا الزمن من السنن المهجورة، ولا سيما في أول العشر فلا تكاد تسمعه إلا من القليل. فحرِي بالمسلمين أن يحيوا هذه السنة فيفوزوا بأجر العمل، وأجر إحياء سنة تكاد تندثر.

وأما صفة التكبير، فليس له صفة يجب الالتزام بها، والأمر في ذلك واسع، والمقصود هو كثرة الذكر على أي صفة مشروعة.

وقد ورد عن السلف صفات متعددة، والمنقول عن أكثرهم أنهم كانوا يقولون: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. وعن بعضهم: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، وعن بعضهم: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت