فهرس الكتاب

الصفحة 25128 من 27345

يقول هارولد لاسكي:"عالم اليوم يعاني الشعور بخيبة الأمل، إن جيلنا فقد قيمه، لقد حل"الشك"السافر محل"اليقين"واليأس محل الأمل، ويبدو أن الاتجاهات الحديثة في الفن والأدب والموسيقا لا تعترف بالتراث الذي أبدع روائع الماضي، وأن الحرب قد سددت ضربتها القاضية للمعتقدات الدينية التي كانت مقياسًا دائمًا للسلوك، لقد انتصرت روح الإنكار على روح اليقين. إن منهج الغرب في الحياة قد وضع في بوتقة الانصهار. في مقدور هذا العلم أن يتيح الرفاهية المادية ولكنه يبدو عاجزًا عن اكتشاف مبادئ الرضا الروحي. ومنذ قرن مضى كان في مقدور الدين أن يتيح للكثيرين الأمل في تعويض ما نالهم من الحياة وذلك في الحياة الأخرى، أما الآن فقد أطفأ العلم أنوار السماء ولا طريق للخلاص إلا في ظل الحاضر العاجل".

ويقول خليل حاوي:"إن فجيعة القلوب هي في أن العقل محدود المعرفة عاجز عن إدراك حقائق الإيمان والدين. فمن المستحيل إدراك المطلق عن طريق العلم (أي التجربة) أو العقل لتعالي المطلق عن التجربة والواقع. والإنسان ليس كائنًا يعقل فحسب؛ بل هوا كائن له قلب وإدراك، ومن حق الإرادة الإيمان بأشياء لا يثبتها العقل ولا ينفيها، فمن حقها أن تؤمن بمعتقدات الوحي والدين وخلود النفس وجود الله تبارك وتعالى؛ لأن العقل لا يستطيع أن ينفيها، وهكذا نرى أهل الفكر البشري في حيرة شديدة رحمنا الله منها بمفهومنا المتكامل الجامع بين الروح والمادة، دون أن يسقط في محظور المادية ودون أن يسقط في أزمة وحدة الوجود."

ونجد الفلسفة الغربية اليوم قد وصلت إلى مرحلة شاقة: ذلك أنها تجعل مهمتها قاصرة على جبرية النظرة؛ فهي تصور الواقع وتعايشه وتعلن الشبهات والشكوك، ثم تقف دون أن تضع الإجابات وبذلك تخلق الحيرة الشديدة في وجدان أتباعها. أما الإسلام فهو يختلف تمامًا؛ إنه يدعو إلى تحرير المواقف وتصويبها في ضوء هدف أساسي تعرض عليه المواقف المختلفة ضمن إطار واضح محدد.

أما الغربي فإنه ينطلق من واقع غير مقيد بأي إطار أو ضوابط أخلاقية أو دينية، إنه يتحرك في إطار أوضاع الحياة وتحديات المجتمع، مؤمنًا بالنسبية في الأخلاق والتطور المطلق في الحركة، والجبرية التي تسوقه دون إرادة، فهو لا يصل إلى غاية ولا يجد الاستجابة لكوينه النفسي والمعنوي والروحي الذي يصرخ في داخله تحت قسوة ضربات المادة والجنس والتحلل وحرية الإباحية.

وبذلك نجدنا تمامًا أمام حقيقة لا ريب فيها يعبر عنها العلامة المودودي حين قال:"إن النظريات التي وضعها الإنسان عن نفسه وعن الحياة الدنيا وعن نظام الكون وعن ذات الإله مدفوعًا بدراسته الشخصية وتقديراته الخيالية وخضوعه لسلطان الأهواء ثم المواقف التي اتخذها على أساس تلك النظريات، فإنها في حقيقتها باطلة ومهلكة للإنسان نفسه من ناحية المصير، وإنما الحق هو الذي علمه الله للإنسان حين جعله خليفة في الأرض، وبموجب هذا الحق ليس من منهج من المناهج إلا المنهج الذي هو: المنهج الصحيح".

نعم: لقد فشل الفكر الغربي الحديث في استيعاب الحقيقية الإنسان وعجز عن تعيين أبعادها وحبس نفسه في إطار ضيق خانق هو إطار المادة، وبذلك عجز عن وضع الحلول المناسبة لأزماته وفشل في تفهم معضلاته الاجتماعية والأخلاقية التي باتت تعصف بمجتمعه اليوم وتهزه من الأساس.

وحين انتقل هذا الإعصار إلى أفق الفكر الإسلامي وجد من بعض العقول الساذجة بريقًا ومن بعض النفوس البسيطة تقبلًا، ثم تكشف زيفه سريعًا في محيط أمة مؤمنة بالله، وإيمانها عميق وراسخ في أعماق أربعة عشر قرنًا، فلم يجد قبولًا أن يقال أن الطبيعة تدبر نفسها وأنها لست في حاجة إلى فاعل أو خالق، وما كان لهذا البريق أن يستمر ولا لهذا الصوت أن يعلو؛ لأنه يناقض مناقضة صريحة كل خلة في الإنسان، عقله وقلبه وفطرته ويناقض العلم ويناقض هذا الميراث الضخم من التوحيد الذي قضى على الغنوصية والهلينية قديمًا وقضى معها على الوثنية وبيوت النار وكل ما سوى عبادة الواحد القهار، وما كان التاريخ يعود القهقري بهذه الأمة التي حملت رسالة التوحيد والتي هي خير أمة أخرجت للناس. ولذلك سرعان ما انقضت على هذا التيار قوى التصحيح والتحرر من الزيف والعودة إلى المنابع واستلهام الحق، كاشفًا بتلك الأصالة التي تؤمن بالله وبإرادة الإنسان ومسئوليته والتزامه الأخلاقي وخلود روحه وتوقه إلى ربه خالقه ومبدعه. ومهما علت دعوات المادية أو الماركسية، أو الوضعية المنطقية، أو الوجودية فإنها لن تجد سوقًا ولن تجد إلا أولئك الذين عجزوا عن فهم حقيقة دينهم، فالقرآن يقرر أن الدين فطرة في الإنسان فطر الله الناس عليها وأن أساسه الاعتقاد بخالق الكون وأنه واحد لا شريك له وما هدانا إليه القرآن لا يعارض العقل أو الفطرة.

{ فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم } .

أنور الجندي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت