فهرس الكتاب

الصفحة 25141 من 27345

الثاني: أنه يأخذ بأخفها، لأنه الأيسر، والنبي -صلى الله عليه وسلم- بعث بالحنيفية السمحة، وما خيِّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، كما ثبت بذلك الحديث، وفي التنزيل:"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"وهذا القول وجه عند الشافعية.

الثالث: يسأل مفتيًا آخر، فيعمل بفتوى من يوافقه، وحاصل هذا أنه يأخذ برأي الأكثر، وهكذا لو كان في المسألة رأيان، أحدهما قول الجمهور، فيأخذ به، لغلبة الظن بصحة هذا الرأي، كتعدد الأدلة والرواة، وهذا القول هو وجه عند الشافعية.

الرابع: يتخير، فيأخذ بقول أيهما شاء، وهذا القول كما في البحر المحيط (6/313) نقله المحاملي عن أكثر أصحابه من الشافعية -وصححه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في اللمع، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (2/432) واحتج له: بأن العامي ليس من أهل الاجتهاد، وإنما عليه أن يرجع إلى قول عالم ثقة، وقد فعل ذلك، فوجب أن يكفيه، وكذا اختار هذا القول القاضي أبو يعلى، وأبو الخطاب، وذكر أنه ظاهر كلام أحمد، كما في شرح الكوكب المنير (4/580) وكذا اختاره المجد كما في المسودة (ص519) .

الخامس: يجتهد في الأوثق، فيأخذ بفتوى الأعلم، الأورع، واختار هذا القول السمعاني الكبير، كما حكاه عنه ابن الصلاح في أدب المفتي (ص165) فإن استويا تخير، وهذا هو اختيار ابن قدامة في الروضة (385) واختاره الغزالي في المستصفى (2/391) وصححه النووي في روضة الطالبين (11/105) وقرره من المعاصرين الشيخ ابن عثيمين في كتابه الأصول من علم الأصول، كما في مجموع فتاواه ورسائله (11/82) .

فإن كان أحدهما أعلم، والثاني أورع، ففي أيهمايقدَّم خلاف، والأصح عند ابن الصلاح الأول، كما في أدب المفتي (ص160) .

هذا، وقد حكى هذه الأقوال الخمسة، العلامة ابن القيم في الإعلام (6/205) إلا أنه اعتبر الأخذ بقول الأعلم قولًا خامسًا، والأخذ بقول الأورع قولًا سادسًا، وزاد قولًا سابعًا، وهو: أنه يجب على العامي أن يتحرى، ويبحث عن الراجح بحسبه، ثم رجح هذا القول، وقال:"فيعمل، كما يعمل عند اختلاف الطريقين، أو الطبيبين، أو المشيرين"وهذا هو عين ما رجحه شيخه ابن تيمية فإنه قال في مجموع الفتاوى (33/168) :"وأما تقليد المستفتي للمفتي، فالذي عليه الأئمة الأربعة، وسائر أئمة العلم: أنه ليس على أحد، ولا شرع له، التزام قول شخص معين في كل ما يوجبه ويحرمه ويبيحه، إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لكن منهم من يقول: على المستفتي أن يقلد الأعلم الأورع ممن يمكن استفتاؤه. ومنهم من يقول: بل يخيَّر بين المفتين إذا كان له نوع تمييز، فقد قيل: يتبع أي القولين أرجح عنده بحسب تمييزه فإن هذا أولى من التخيير المطلق. وقيل: لا يجتهد إلا إذا صار من أهل الاجتهاد. والأول أشبه؛ فإذا ترجح عند المستفتي أحد القولين إما لرجحان دليله بحسب تمييزه، وإما لكون قائله أعلم وأورع، فله ذلك، وإن خالف قوله المذهب"أهـ. هذا، وفي المسألة أقوال أخرى حكاها الزركشي في البحر المحيط (6/313-315) وغيرُه من الأصوليين، ولكن أشهرها ما تقدم ذكره.

وبكل حال، فالأرجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وهو أن العامي إذا اختلفت عليه الفتوى، فإنه يجتهد حسب تمييزه، ويتقي الله حسب استطاعته، فإن ترجح له قول أحد المفتين لكونه الأعلم الأورع، أخذ بفتواه. فإن استويا في العلم والورع، أو شق عليه معرفة الأعلم منهما، ولكن ما استدل به أحدهما أقوى في الحجة وظهور الدليل مما استدل به الآخر، أخذ به، أو كانت نفسه تسكن لفتيا أحدهما، ويطمئن لها قلبه، دون فتيا الآخر، أخذ بهذا المرجح، وكذا لو ترجح له قول أحدهما، لكثرة من أفتى به من أهل العلم، أخذ به.. وهكذا. قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- في الإعلام (6/137-138) موجهًا هذا القول (وقد نصب الله سبحانه وتعالى على الحق أمارات كثيرة، ولم يسوِّ الله -سبحانه وتعالى- بين ما يحبه وبين ما يسخطه من كل وجه، بحيث لا يتميز هذا من هذا، ولابد أن تكون الفطر السليمة مائلة إلى الحق، مؤثرة له، ولابد أن يقوم لها عليه بعض الأمارات المرجحة..."أهـ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت