فهرس الكتاب

الصفحة 25286 من 27345

ومهما يكن من رد فعل على هذه السطوة الثقافية فإنها تُحدث في نفوس الأقلية المسلمة -وبالأخص في نفوس الشباب منها- ضربا من الاضطراب والقلق في الضمير الفردي والجماعي على حد سواء، وهو ما يصبغ الحياة العامة للأقلية بصبغة التأرجح التي ينتفي معها وضع الاستقرار النفسي والجماعي، فلا هذه الأقلية اندمجت في جسم المجتمع الذي تعيش فيه حتى صارت خيوطا من نسيجه، ولا هي كونت هيكلا متجانسا يتفاعل مع المجتمع من منطلق تلك الهيكلية المتماسكة فيما بينها كما هو شأن الأقليات في بعض البلاد الآسيوية مثل الهند، وهو وضع يكتسب من معنى الخصوصية ما ينبغي أخذه بعين الاعتبار في التأصيل الفقهي.

ـ خصوصية التبليغ الحضاري:

مهما يكن من وضع الأقلية المسلمة بالغرب من قوة أو ضعف، ومن استقرار أو اضطراب، فإن مجرد وجود هذا العدد الكبير من المسلمين بالبلاد الغربية يُعتبر ضربا من الصلة الحضارية بين الحضارة الإسلامية -مهما يكن تمثيلها ضعيفا- وبين الحضارة الغربية المستقرة؛ فالمسلمون الذين هاجروا إلى هذه البلاد لا يمثلون مجرد كمية بشرية انتقلت من مكان إلى مكان، شأن كثير من الهجرات التي تقع قديما وحديثا، وإنما هجرتهم تحمل معها دلالة حضارية، وهي دلالة تتأكد باطراد بارتقاء نوعية المهاجرين وتعزز تلك النوعية بهجرة العقول وتمكن المهاجرين في مواقعهم العلمية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية على وجه العموم.

وإنما كان الأمر كذلك من بين كثير من الأقليات المشابهة في وجودها بالغرب للأقلية المسلمة لأن هذه الأقلية تحمل معها ميراثا حضاريا ضخما، لئن لم يكن حاضرا الحضور البين الفاعل في واقع التدافع الحضاري، إلا أنه حي في النفوس، مختزن فيها بقيمه ومبادئه الروحية، وبرؤيته في تفسير الوجود وتنظيم الحياة، وبتاريخه الممتد لألف ونصف من الأعوام، فهذا الميراث لم يتركه المهاجرون إلى البلاد الغربية خلف البحار ليصلوا إليها غفلا من التشكل الحضاري، بل أولئك الذين نشئوا بهذه البلاد من الجيل الثاني والثالث لم يكونوا كذلك أيضا، وإنما هم يحملون أقدارا من ذلك الميراث منحدرا إليهم من الانتماء الأسري ومن الانتماء الحضاري العام، ومهما بدا في الظاهر أحيانا من ملامح التخلص من هذا الميراث كما هو متمثل في بعض مظاهر التنصل من مقتضيات ذلك الميراث الحضاري فإنه ليس إلا مظاهر سطحية، أما الضمير فهو مختزن لذلك الميراث.

وبالإضافة إلى ذلك فإن هذا الميراث الحضاري الذي تحمله الأقلية المسلمة ليس ميراثا طبيعته الانكفاء والسكون، وإنما طبيعته الظهور والعرض؛ وذلك لما انبنى عليه من أصول عقدية توجب على حاملها في ذاتها وحامل مقتضياتها الحضارية أن يعرف الناس بها، وأن يعرضها عليهم عرض بيان واختيار، عسى أن يجدوا فيها من الخير ما يقنعهم فيأخذون به، فيعم إذن نفعه، ولا يبقى حكرا على أصحابه، وذلك هو معنى الشهادة على الناس التي تضمنها قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمة وَسَطا لتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى الناسِ وَيَكُونَ الرسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا} (البقرة: 143) .

ومن جهة أخرى فإن هذه الأقلية المسلمة ليس وجودها بمهجرها وجود انبتات عن الجسم الأكبر لأمتها، وإنما هو وجود انتماء إليها وتواصل معها مهما شط بها المكان، ونأى بها المقام، ومهما اتخذت لها من مجتمعاتها الجديدة موطن تفاعل واستقرار، ويقتضي هذا الانتماء والتواصل بمقتضى امتزاجها بالحضارة الغربية امتزاج عيش يومي، ووقوفها عليها وقوفا عن كثب أن تكون أيضا واسطة اقتباس لما هو خير في هذه الحضارة في وجوهها المادية والمعنوية لتبلغها إلى أمتها الإسلامية قصد تعريفها بها، والانتفاع منها في بناء نهضتها.

يتحصل من ذلك إذن أن الأقلية المسلمة في أي موقع وجدت فيه بصفة عامة، وفي موقعها بالبلاد الغربية بصفة خاصة، تمثل حلقة وصل حضاري بين حضارتين، ومن مهامها باعتبار ذلك الموقع أن تقوم بدور تنقل فيه المنافع النظرية من قيم ومبادئ تشرح الوجود وتبين الحياة، والمنافع العملية في وجوهها المختلفة من طرف إلى آخر، وأن تعمل على تأكيد معنى التعارف الحضاري بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، لتكون سببا من أسباب العمل على البناء الحضاري المشترك لما فيه خير الإنسان، وبهذا الموقع الذي هي فيه، وهذا الدور المناط بعهدتها تكتسب خصوصية ينبغي اعتبارها في التأصيل لفقه الأقليات.

ثالثا ـ التطلع إلى تبليغ الإسلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت