فهرس الكتاب

الصفحة 25358 من 27345

إن مما يشد همة الداعية إلى الله لينطلق بقوة إلى الدعوة والإصلاح نظره في واقع مَنْ حولَه وبُعدهم عن الله تعالى، وعمق الهوة السحيقة التي وقعوا فيها أو أوشكوا... فعند ذلك يتدفق من قلبه شعور برحمة هؤلاء، ثم يثمر الرغبة في تغيير واقعهم كيلا يوافوا الله تعالى وهم على هذا الحال .

8 -تحت الرغوة اللبن الصافي:

نعم! فلا يغرنك المظهر، وكذا في واقع الدعوة؛ فإن الناس وإن وقعوا في مآثم ومنكرات بل حتى موبقات فإنهم لا يزال فيهم خير ما داموا موحدين.

ومن هنا ينبغي لنا ألاَّ نترفع عليهم ونكشر أنيابنا في وجوههم، بل ينبغي أن نجلِّي لهم أبواب التوبة المفتوحة، ونرغبهم برحمة الله ولا نقنطهم منها، وأن نحاول تنمية جوانب الخير عندهم.

ومن الطرائف في ذلك أن بعض الدعاة كانوا في فرنسا، فذهبوا إلى حديقة مليئة بالناس والمنكرات، فوجدوا شابًا عربيًا معه آلات موسيقية ويغني، فما كان منهم إلا أن ذهبوا إليه ودار الحوار الآتي:

الداعية: مَنِ الأخ.. أعني ما اسمك؟

الرجل: محمد...

الداعية: ما شاء الله ما شاء الله! هذا اسم الرسول صلى الله عليه وسلم .

الرجل: ولكني لا أصلي.

الداعية: ما شاء الله. الله أكبر. دائمًا المؤمن لا يكذب ومنهجه الصراحة. وأنت كذلك...

فما كان من ذلك الرجل إلا أن ذهب مع الداعية إلى سكنه، وثم هداه الله تعالى على يديه.

ولقد ضرب لنا النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في ذلك؛ فها هو صلى الله عليه وسلم يسمع أبا محذورة يقلد الأذان؛ فما كان منه إلا أن أثنى على جمال صوته، ومن ثم علَّمه الأذان فصار بعدُ مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم .

وها هو يمنع أي أحد أن يتعرض لمن جلده في الخمر بعد جلده ويقول:"لا تعينوا الشيطان على أخيكم" (1) .

إن بُعدنا عن صاحب المعصية والنظر إليه شزرًا على أنه عاصٍ لَهُوَ من أسباب عون الشيطان عليه ونفرته من أهل الصلاح؛ ولكن عندما نفتح له قلوبنا ونتعامل مع أخطائه برفق وحنان فسينتج ما لم نره من قبل.

وبقي نقطتان منهجيتان في الدعوة ينبغي ألاَّ يغفلهما الدعاة وإن كانتا ليستا من طرق كسب الناس والتأثير فيهم:

الأولى: الصبر على ما يصيب الداعية في ذات الله؛ فإنه مأجور فيه، وله العاقبة بإذن الله إن صبر وثبت على منهجه الحق، وأظن أن عندك أخي القارئ من الآيات والأحاديث في ذلك ما يربو على ما عندي.

الثانية: أن على الداعية أن يؤدي ما عليه وهو واجب البلاغ، وأن النتائج ليست إليه ولا يؤخذ بها إذا أدى ما عليه. قال تعالى: إن عليك إلا البلاغ {الشورى: 48} .

تلكم كانت إضاءات وخواطر وقواعد دعوية اختلجت في صدري، فأبديتها ناصحًا نفسي وإخوتي، علها أن تؤدي ثمراتها .

وعلى الله قصد السبيل.

بقلم: أمين بن عبد الرحمن بن محمد الغنام

عضو الدعوة في عنيزة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت