هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .. يمكن أن يكون هذا التشريع لافتا للنظر، اليوم تشد الرحال من بقاع الأرض إلى مكة المكرمة إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في كل لحظة يعزم عازم يستطيع غير أن لا أحد في جملة المسلمين ومعظمهم يستطيع أن يشد الرحال إلى المسجد الأقصى، أفلا يدخل ذلك حزنا في قلوبنا، أفلا يجعل ذلك في نفوسنا جذوة لا ينبغي أن تنطفئ حتى نحقق ذلك، بل انظروا إلى هذا الجمع ليس في هذا الحديث وليس في أحاديث بعينها فحسب بل في روح وصور متعددة كانت في حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم وعند أصحابه، فقد روى أبو داود وغيره عن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت:يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس ! فقال عليه الصلاة والسلام: ( ائتوه فصلوا فيه ) ، وكان ذلك الوقت حرب فقال فليه الصلاة والسلام: ( فإن لم تأتوه فتصلوا فيه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله ) .
إن حيل بينكم وبينه فلا بد أن تصلوا إليه بجسر، أن تخدموه أن تنصروه بكل وسيلة مؤقتة أو جزئية حتى يكتمل لكم النصر وتعلوا لكم الراية ويمهد لكم الطريق ويؤمن لكم المسير، فتهفوا حينئذ بقلوبكم وأجسادكم إلى المسجد الأقصى كما تفعلون في مسجد البيت الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية هذا الحديث عن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم عند ابن ماجة قالت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس ؟ فقال: ( أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه) .
هل رأيتم كيف كان ذلك في عهد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وهو حدث طويل وفيه:
(من أتى بيت المقدس لا ينهزه -أي لا يحركه ويبعثه- إلا الصلاة فيه؛ خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه)
والحديث إسناده حسن وصححه بعضهم.
وننظر كذلك إلى الحديث المتفق عليه من رواية أبي ذر رضي الله عنه يبين لنا الصلة الوثيقة، قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول، فقال: البيت الحرام، قال: قلت ثم أي، قال: المسجد الأقصى، قال: قلت فكم بينهما، قال: أربعون سنة .
وفي قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى}
نكتة بلاغية عظيمة؛ لم سمي الأقصى بالأقصى، لأنه كان أقصى شيء في هذه المساجد، وعندما تنزلت آيات الإسراء كان النبي في مكة صلى الله عليه وسلم، لم يكن هاجر إلى المدينة لم يكن بني مسجده فكأنه قبل مكة وسيكون مسجد آخر من بعد هو مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أقصى من مكة ثم يأتي من بعده الأقصى وهو بيت المقدس، فهذا رباط وثيق، وهذا جمع كامل، وهذه حلقة وثيقة الروابط، تدعونا حقيقة إلى أن نكون في نصرة خاتم الأنبياء، ضمن نصرة مسرى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم.
ولو مضيت كثيرا لرأيت في ذلك ما تعلمون، ونحن ندرك ذلك أيضا ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في تفضيل الصلوات ومضاعفة أجرها في المساجد الثلاثة، وهذه الأرض أيضا هي أرض البركة {الذي باركنا حوله}
وهي المذكورة في قصة الخليل إبراهيم عليه السلام، وهي التي ذكرت كذلك في قصة موسى عليه السلام، وهي المذكورة كذلك كما أجمع أهل التفسير في قصة أهل اليمن عندما قال الله عز وجل: {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة}
قالوا: هي قرى بيت المقدس وأهل الشام .
ثم أخيرًا أيها الأخوة الأحبة:
أرض الرباط ، وأرض الجهاد ، وأرض المحشر والمنشر ، وأرض الفصل في المعارك الكبرى التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان .. نحفظ الحديث الثابت في البخاري ومسلم وكثير من كتب السنن: ( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم؛ حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ) .
في رواية عند الإمام أحمد في مسنده والراوي معاوية قال رجل فسألت معاذ بن جبل فقال: ( هم أهل الشام ) .
وفي رواية أخرى عند الإمام أحمد أيضا، قال: ( إن عقر دار المؤمنين الشام )
وفي رواية ثالثة: ( سئل عن أولئك القوم أين هم فقال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس )
حق علينا إذًا أن ننصر مسرى رسولنا خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، حق علينا أن نكون مع أهل الرباط في أرض الإسراء، وذلك واجب وهو جزء مما كنا ولا زلنا نتحدث عنه في نصرة نبينا صلى الله عليه وسلم، والغيرة على مقامه وقدره ومكانه، والحمية ضد كل من يسيء إليه أو يستهزئ به والعياذ بالله، فكيف بمن يغتصب أرضا بشر بفتحها، وكيف يغتصب أرضا صلى فيها إماما بالأنبياء، وكيف وكيف وكيف مما ذكرناه.