الثالث: حسبة الرعية على الرعية: والمقصود بها نهوض الأمة بهذا الواجب ، واجب الحسبة ولا ريب بأن تكليف الأمة كلها لتقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل على أنها أمة حية متحركة تسعى لتغيير الواقع حولها ليخضع لتعاليم الإسلام .
قال النووي: ( ومما يتعلق بهذا الأمر أن الرجل والمرأة والعبد والفاسق والصبي المميز يشتركون في جواز الإقدام على إزالة هذا المنكر وسائر المنكرات ) .
وقال الغزالي: ( وليس لأحد منع الصبي من كسر الملاهي وإراقة الخمور وغيرها من المنكرات ) .
ومن المهم الذي يجب التنبيه عليه أن نظام الحسبة بني على قاعدة تحصيل المصالح بحسب الإمكان ودفع المفاسد بحسب الإمكان وتقديم أرجح الأمرين عند التعارض .
أقسام إنكار المنكر:
يقول ابن القيم - رحمه الله - إن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله ، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه ، وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوخ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله .
ومن هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت ورده إلى قواعد إبراهيم ومنعه من ذلك مع قدرته عليه خشية الوقوع بما هو أعظم منه وحديث عائشة يفسر ذلك: ( لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما اخرج ) رواه البخاري
وقد قسم ابن القيم إنكار المنكر إلى أربعة درجات:
الأول: أن يزول أو يخلفه ضده .
ثانيًا: أن يقل وإن لم يزل بجملته .
ثالثًا: أن يتساويا .
رابعًا: أن يخلفه ما هو أشر منه ، ومن ذلك ما روي عن ابن تيمية قوله: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر ، فأنكر عليهم من كان معي ، فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهؤلاء تصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذراري وأخذ المال ، فدعهم .
والمهم في هذه الفريضة تحقيق المصلحة بجلبها والقضاء على المفسدة بدفعها وهذه المصلحة والمفسدة تعرف من خلال وضعها في الميزان الشرعي وينبغي الموازنة بينهما لأن الموازنة هي مفتاح الرشد في التعامل مع واقعنا المعاصر بكل علله ومتناقضاته ، ومن أجل الحفاظ على أركان المجتمع نؤكد على إحياء فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد في نظام الحسبة .
إقامة نظام الحسبة مع غياب السلطان:
من المعلوم أنه بغياب السلطان وضياع القانون تعم الناس الفوضى وتنتشر المعاصي والمنكرات لعدم وجود الرادع ويظهر كل مبتدع داعيًا إلى بدعته وكل صاحب ضلالة مجاهرًا بضلالته . ولكي لا تغرق سفينة المجتمع ويهلك الناس وتضيع معالم الشريعة ، رأى الفقهاء أن الأمة إذا شُغر الزمان فيها من وجود الإمام ، وخلت من حاكم يحمل الأمة على إقامة الشريعة فالأمور موكولة إلى أهل الحل والعقد في الأمة وهم الصفوة الصافية من أبناء الأمة ، كأهل العلم وأهل القدرة من أهل الثغور والذين يُفزع إليهم في المهمات والمصالح العامة ممن عُرف عنهم تمسكهم بأصول الإسلام والرجوع إلى الشريعة والتحاكم إلى منهج الله ، فهؤلاء إذا اجتمعت كلمتهم وصارت لهم شوكة وقوة صار من الواجب عليهم إقامة شعائر الدين ، وردع الناس عن الضلالات والمعاصي والمنكرات كما لو أن الإمام كان موجودًا وأهل الحل والعقد بوحدة كلمتهم يمثلون جماعة المسلمين لحين ظهور السلطان الشرعي أو الإمام الذي يحكم بشريعة الله .
وأرى والله أعلم تسايرًا مع واقعنا الذي غاب فيه السلطان الشرعي وضاع فيه قانون الإسلام والمنهج الحكيم الذي يردع الناس عن إتيان المنكرات والمجاهرة بالمعاصي فإن الأمر بهذا المجتمع الذي باتت تعمه الفوضى موكول لأهل الحل والعقد والمتمثل بالفصائل الجهادية أصحاب الكلمة فلهم الحق أن يجتمعوا لإقامة نظام الحسبة كما هو مبين في الشريعة مع مراعاة المصالح والمفاسد عند اتخاذ القرارات .
عواقب التخلي عن نظام الحسبة:
لقد وضح لنا القرآن الكريم في مواضع عديدة الآثار الخطيرة المترتبة على الأمة إذا انتهجت غير منهج الله ولم تأمر بمعروف ولم تنه عن منكر فإن لعنة الله لاشكَّ أنها ستحل وستبتلى الأمة بأنواع العذاب والتنكيل لأنها أهملت فريضة الإصلاح . قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ*كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) المائدة:79
ومعناها أن بني إسرائيل في تلك الفترة كانوا مجتمعًا ضالًا لا ينهى أحدهم الآخر عن المعصية والمجاهرة بالمنكرات فاستحقوا اللعنة من الله .