والمعني الثاني"يستعمل الفعل"قصد"أيضا بمعنى ضد فعل"سها""يسهو". ولما كان السهو هو فقدان التوجه أو الوقوع في النسيان، فان المقصد يكون على خلاف ذلك، وهو حصول التوجه والخروج من النسيان (5) . هذا المعنى يدل على البعد الشعوري والارادي الذي تعكسه الفصول التي وضعها الشاطبي تحت فصل"مقاصد وضع الشريعة للامتثال"و"مقاصد المكلف"."
في المعني الثالث"يستعمل فعل"قصد"ضد الفعل"لها""يلهو"، لما كان اللهو هو خلو من الغرض الصحيح و فقدان الباعث المشروع، فان المقصد يكون على العكس من ذلك هو حصول الغرض الصحيح و قيام الباعث المشروع" (6) . هذه الدلالة كما بينها طه عبد الرحمان تعكس"المضمون القيمي"وهو الذي ناقشه الشاطبي في فصل"مقاصد وضع الشريعة ابتداءا".
من خلال هذا التحليل يتبين لنا أن دلالة نظرية المقاصد يصعب حصرها في بعد واحد لإحتوائها على قابلية عجيبة للفهم المتعدد، لهذا وصل في الأخير إلى القول"و على الجملة فان الفعل"قصد"قد يكون بمعنى"حصل فائدة"أو"حصل نية"أو بمعنى"حصل الغرض"، فيشمل"علم المقاصد"إذ ذاك على ثلاث نظريات أصولية متمايزة فيما بينها، أولها نظرية المقصودات، وهي تبحث في المضامين الدلالية للخطاب الشرعي والثانية نظرية القصود، وهي تبحث في مضامين الشعورية أو الارادية، والثالثة نظرية المقاصد، وهي تبحث في المفاهيم القيمية للخطاب الشرعي (7) ."
بهذا المعنى يتضح أن الفهم الصحيح للمقاصد ينبني على هذه الشمولية التي تفرضها النظرية نفسها، لذا تقتضي منا الضرورة أن لا نتقيد بالتعريف الذي وضعه الطاهر ابن عاشور.
من جهة أخرى فإن هذه القابلية للفهم المتعدد لم تمنع الشاطبي من إرساء نظام قيمي دقيق نظم في داخله ما يحمله ذلك المصطلح من الدلالة، إذ ذهب إلى االتركيز على تحديد مفهوم المصلحة تحديدا يعبر عن تلك الدقة، حيث يقسمها إلي نوعين:
فالأول يعتبر من جهة قصد الشارع في وضع الشريعة إبتداءا، ومن جهة قصده في وضعها للأفهام، ومن جهة قصده في وضعها للتكليف بمقتضاها، ومن جهة قصده دخول المكلف تحت حكمها" (8) ."
أما النوع الثاني فيتمثل في مقاصد المكلف االتي بينها في"أن الأعمال بالنيات، والمقاصد معتبرة في التصرفات، من العبادات والعادات"و"قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع" (9) .
هذه المقولات تنبني عليها قضايا فرعية أخرى لا يتسع الأمر لذكرها لكن تبقى محتواة في الأولى. وهذا الإعتبار هو الذي منح نوعًا من الأنسجام بين مقاصد الشارع ومقاصد المكلف.
إضافة إلى هذ التقسيم المنهجي، عمد الشاطبي إلى بيان أن المقاصد في حد ذاتها تنقسم إلى ضرورية وحاجية وتحسينية، وهذا بطبيعة الحال يعكس النظام القيمي الذي على أساسه تتوزع وتترتب عملية تحقق المقاصد في أبعادها الشرعية والاجتماعية. ولذلك وضع خمس قواعد أساسية؛ هي:
القاعدة الأولى: أن الضروري أصل لما سواه من الحاج والتكميلي.
القاعدة الثانية: أن اختلال الضروري يلزم منه اختلال الباقين بإطلاق.
القاعدة الثالثة: أنه لايلزم من اختلال الباقين اختلال الضروري.
القاعدة الرابعة: أنه قد يلزم لاختلال التحسيني بإطلاق أو الحاجي اختلال الضروري بوجه ما.
القاعدة الخامسة: أنه ينبغي المحافظة على الحاجي والتحسيني للضروري (10) .
بهذا نصل إلى خلاصة واضحة وهي أن الشاطبي له مبرراته الموضوعية التي دفعته إلى عدم وضع تعريف جامع مانع لمفهوم المقاصد، بل عمد إلى إيراد إيضاحات إجرائية متعلقة بالجانب التطبيقي لهذا المفهوم.
(1) أحمد الريسوني، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، ط2، الدار العالمية للكتاب، 1996، ص5.
(2) ابن عاشور، مقاصدالشريعة الإسلامية،الشركة التونسية للتوزيع، 1978، ص52.
(3) ابن عاشور، نفس المرجع، ص52.
(4) طه عبد الرحمان، تجديد المنهج في تقويم التراث،ط1،دار الكتب العلمية،1991، ص 98.
(5) الشاطبي، الموافقات، ج2، ط1، دار الكتب العلمية،76.
(6) طه عبد الرحمان، نفس المرجع، ص98.
(7) المرجع السابق، ص98 .
(8) المرجع السابق، ص99
(9) الشاطبي، المرجع السابق،ج2،ص4.
(10) الشاطبي، المرجع السابق،ج2،ص4.
دراسة في بنية التشكل المعرفي لعلم المقاصد [2/3]
د. بدران بن الحسن 12/11/1426
المبحث الثاني: الجذور المعرفية لنظرية المقاصد
لقد توجهت دراسات فلسفة العلوم والدراسات الإبستولوجية الحديثة إلى إبراز عوامل جديدة في تكوين العلوم والمعارف، وأثبتت أن العلوم والمعارف ناتج لتفاعل العالم البشري والعالم المادي، أي تفاعل المفكر مع موضوعه ومحيطه الاجتماعي. فهناك عوامل متعددة تدخل في عملية إنتاج المعرفة وتشكيلها وصياغتها وتوجيهها وتحديد بنيتها وبنائها.