فهرس الكتاب

الصفحة 2563 من 27345

وقبل أن نغادر لمحطة أخرى, ثمّة ما يمكن الوقوف عنده مليًّا إذا ما استصحبنا رحلة مارتن لوثر من اليهودية إلى المسيحية وتأسيسه للبروتستانتية, ورحلة كارل ماركس من اليهودية إلى الإلحاد الشيوعي ووضع نظريته 'الماركسية', ورحلة عبد الله بن سبأ من اليهودية إلى الإسلام ظاهريًا وإنشائه لملّة الإثني عشرية, ورحلة مصطفى كمال (ابن زبيدة اليهودية, حيث الأب لا يعلمه إلا الله) من اليهودية إلى الإسلام ظاهريًا وتبنّيه للقومية الطورانية التركية.

وإذا ما توقفنا عند هؤلاء، اقتربنا قليلًا من فهم هذه المحطة الهامة من تاريخ الكاهن الأكبر.

المحطة الثانية تنعطف بنا إلى حياة مهندس الوثيقة البابوية التي صدرت عام 1965 واختصارًا للجهد هو ذاك كارلو فوتييلا (أو يوحنا بولس الثاني فيما بعد) الذي كان له 'شرف' وضع هذه 'وثيقة تبرئة اليهود من دم يسوع المسيح', واليهود عند واضعي الوثيقة المخزية هم أهل المنحة التي أعطاها لهم الرب -بزعمهم-, وهي أرض كنعان (فلسطين) , وبحسبها فاليهود بريئون من دم المسيح (اعتقاد المسلمين أن المسيح عليه السلام حقيقة لم يصلب بل رفعه الله إليه, وإن كان ذلك لا يعفي اليهود من إرادة التآمر ذاته) ..

ثم ثالثة الأثافي أتت في طيّات الوثيقة أن 'المسيح كان يهوديًا، وسيبقى يهوديًا'..

وهكذا تمضي عشرون عامًا على البابا في أحضان الفاتيكان، لا تردّه عن أصل يؤمن به لا يفارقه وإن غادر التشيك إلى جمهورية الكرادلة..

المحطة الثالثة من حياة كارلو فوتييلا, تلك التي تنقلنا لمشهده وهو يتوّج 'حبرًا أعظمًا'- كأحد أصغر من يتولون المنصب (58 عامًا حينذاك) - على رأس الكنيسة الكاثوليكية في العام 1979، بعد أن مات البابا السابق يوحنا بولس الأول -ميتة ياسر عرفات- بعد شهر واحد من اعتلائه منصبه الخطير وبدون مرض خطير!! حينها وجد كارلو الطريق إلى رأس الفاتيكان معبّدًا, وتولّى الرجل منصبه, وكانت إحدى فاتحات شهية الباحثين في وضعه المثير للجدل بشكل واسع، هو تفرد كارلو من حيث كونه الأول منذ خمسة قرون الذي يعتلي سدّة الكهانة في الفاتيكان من خارج إيطاليا. وقد بدأ الرجل من فوره العمل على ثلاثة محاور هي الأبرز من محاور تحركاته:

الأول: ترسيخ الاختراق اليهودي للفاتيكان:

وتدجين الكنيسة الكاثوليكية مثلما دُجِّنَت الكنيسة الإنجيلية, ومد أواصر الصداقة الدينية والسياسية مع 'إسرائيل'.

'لو كان المسيح عليه السلام يهوديا؛ فإنه لشرف عظيم لبابا روما أن يكون يهوديا هو أيضا', قال البابا, وزاد: 'إن اليهود أعزاؤنا وأشقاؤنا المحببون، وهم بحق الشقيق الأكبر'..

إن البابا الذي لم يكن قد مضى على مكوثه في منصبه أكثر من ثلاث سنوات حتى أفاض من 'كرمه' على اليهود، فاعترف بـ'دولة إسرائيل' في العام 1982 (عام الاجتياح والمذابح الصهيونية الرهيبة في لبنان) , لم تخل نصائحه في كتاب تعليماته لـ'المسيحيين' أن يحبوا اليهود لأنهم شعب المسيح (اليهودي بالطبع وفقًا للبابا البولندي الجنسية) , أولئك الذين أحاطهم البابا بـ'مكرمة' زيارته لكنيسهم في روما وصلاته فيه وسط ذهول 'مسيحي' الكنيسة الشرقية بعد ذلك بأربع سنوات، ثم توجيهه اللوم أخيرًا قبل عامين من الألفية الثالثة لأتباعه المتسببين في ما يقال عن الهولوكوست اليهودي الذي ينسب للنازي إقامته لليهود.

الثاني: العمل على تفكيك الاتحاد السوفيتي:

آخر كتب البابا 'الذاكرة والهوية' الذي يلقى الآن رواجًا كبيرًا بسبب الحالة الصحية للبابا, أماط فيه اللثام عن قناعته الشخصية بأن التركي محمد على أغا الذي حاول اغتياله أوائل الثمانينات لم يتصرف من تلقاء نفسه, معبّرًا عن اعتقاده بأن الكتلة الشيوعية السابقة ربما كانت وراء مؤامرة محاولة اغتياله.

لماذا تقدم تلك الكتلة على محاولة اغتياله؟ الجواب ليس عند البابا, وإنما لدى العديد من خبراء السياسة الأوروبية الذين يكادون يجمعون على علاقة سرية باتت معلومة لدى قطاع عريض من الخبراء، تجمع ما بين يوحنا بولس وجهاز الاستخبارات الأمريكي, جرى تفعيلها مبكرًا، وبدت أول نتائجها في الزيارة التي قام بها كارلو في العام 1978 لبلده الثاني بولندة, داقًّا هناك أولى مسامير الكنيسة الكاثوليكية في نعش الشيوعية.

والخطة كانت محكمة؛ بولندة ذات الثمانية والثلاثين مليون نسمة -هم الأكثر كثافة سكانية بين دول أوربا الشرقية، مقر حلف وارسو, قاعدة اليهود الخلفية في أوربا ومفرزة الزعماء الصهاينة-, من هناك تحرك البابا, ومن هناك أطلق عباراته النارية: 'إن المسيح لا يقبل أن يكون الإنسان أداة إنتاج فقط، فعلى العامل ورب العمل والدولة والكنيسة نفسها أن يتذكروا أنه لا يمكن فصل المسيح عن عمل الإنسان', فلتعوا الدرس أتباع منظمة تضامن 'ليخ فاونسا' الزعيم العمالي المثير للجدل، والذي أضحى بعدُ زعيمًا لبلاده كلها:

إن المسيح يحارب الشيوعية, لا تكونوا اشتراكيين, نفهم من الكاهن الأكبر..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت