فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
و إن كان فيهم من يلتزم في عمله الأحوط في مقابل من يجنح إلى الأيسر ، و لكنّ الحامل لكلٍّ منهما على مذهبه لا يخرج عن الاستدلال بما ثبت عنده عن نبيِّ الهُدى - صلى الله عليه وسلم - .
و يحسن التمثيل لاختلاف آراء الصحابة في هذا الأمر بما كان عليه الصاحبان الإمامان: عبد الله بن عبّاس ، و عبد الله بن عمر رضي الله عنهم ، فقد كان ( أحدهما يميل إلى التشديد و الآخر إلى الترخيص و ذلك في غير مسألة ، و عبد الله بن عمر كان يأخذ من التشديدات بأشياء لا يوافقه عليها الصحابة فكان يغسل داخل عينيه في الوضوء حتى عمي من ذلك ، و كان إذا مسح رأسه أفرد أذنيه بماء جديد ، و كان يمنع من دخول الحمام ، و كان إذا دخله اغتسل منه ، و ابن عباس كان يدخل الحمام ، و كان ابن عمر يتيمم بضربتين ضربةٍ للوجه ، و ضربةٍ لليدين إلى المرفقين ، و لا يقتصر على ضربة واحدة ، و لا على الكفين ، و كان ابن عباس يخالفه ، و يقول: التيمم ضربةٌ للوجه ، و الكفين ، و كان ابن عمر يتوضأ من قُبلةِ امرأتِه ، و يُفتي بذلك ، و كان إذا قبل أولاده تمضمض ثم صلى ، و كان ابن عباس يقول: ما أبالي قبَّلتُها أو شممت ريحانًا ، و كان يأمر من ذكر أن عليه صلاة و هو في أخرى أن يُتِمَّها ، ثم يصلي الصلاة التي ذكرها ، ثم يعيد الصلاة التي كان فيها... و المقصود أن عبد الله بن عمر كان يسلك طريق التشديد و الاحتياط ) [ زاد المعاد: 2 / 47 و 48 ] .
قلتُ: و مع كلِّ ما كان يذهب إليه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما من التشديد و لزوم الأحوَط ، لم يغمز قناته أحدٌ من السلف أو الخلف ، و لم يصمه أحدٌ بوصمة التعسير ، على وجه التخطئة و التنفير ، بل غاية ما ذَهَبَ إليه مخالفوه هو عدَم موافقته في تشديداته ، مع اعتبارها أمارةً على وَرَعه و حُسن اتّباعه ، و عُذر مَن ذهبَ مذهبَه من الأتباع ما داموا يدورون مع الدليل مدارَه .
و لم يكن يسعهم حتى تمني خلافه فضلًا عن تبريره أو تسويغ القول و العمل به .
قال أبو عبد الله الزركشي [ في المنثور: 1 / 20 ، 21 ] و هو يُعدِّدُ أنواع التمني و يعرض حكم الشرع في كلٍّ منها: السابع: تمني خلاف الأحكام الشرعية لمجرد التشهي ... قال الإمام الشافعي في ( الأم ) و قد روى عن عمر: ( لا يُسترق عربي ) قال الشافعي رحمه الله: لولا أنَّا نأثم بالتمني لتمنينا أن يكون هذا هكذا ، و كأنه أراد تغير الأحكام و لم يرد أن التمني كله حرام ) .
قلت: فلله درّهم ما أبرَّهم ، و ما أنبلهم حيث لا يسوّغون مجرّد كون الحرام حلالًا ، فضلًا عن تسويغه ، و الإفتاء بحلّه ، و لو كان بليّ أعناق النصوص ، و حشد الشواهد و الشواذ من كلّ رطبٍ و يابِسٍ ، من زلاّت المتقدّمين ، و هفولت المتأخّرين ، و سقطات المُتابِعين .
إنّها و الله الخشية من العَبدِ للمعبود ، فمن أو تِيَها فقد أوتِيَ خيرًا كثيرًا ، و هل العِلمُ إلاّ الخشية ، و ما مثل من كثر عِلمُه و قلّت خشيته إلا كمثل التاجر المدين ، تكثر بين يديه العروض ، ليس له منها شيء .
خاتمة
و بعد ، فقد آل بنا البحث عند ختامه إلى الحديث عن الخشية ، و هي جماع صفاة العالم الرباني ، تسوقه إلى الحقّ ، و تأطُرُه عليه أطرًا .
قال صاحب الآداب الشرعيّة: ( و نقل المروزي عن أحمد أنه قيل له: لمن نسأل بعدك ؟ فقال: لعبد الوهاب يعني الوراق ، فقيل إنه ضيق العلم فقال: رجل صالح مثله يوفق لإصابة الحق .... و قال الأوزاعي كنا نمزح و نضحك ، فلما صرنا يقتدى بنا خشيت أن لا يسعنا التبسم ... و روى ابن بطة عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى: إن الفقه ليس بسعة الهذر و كثرة الرواية إنما الفقه خشية الله ... و قال الأوزاعي: بلغني أنه يقال: ويل للمتفقهين لغير العبادة , والمستحلين المحرمات بالشبهات ... و قال الشافعي رضي الله عنه: زينة العلم الورع و الحلم ، و قال أيضا لا يجْمُل العلم ، و لا يحسن إلا بثلاث خلال: تقوى الله , و إصابة السنة , و الخشية ) .
فما أحرى العاملين للإسلام ؛ دعاةً و فقهاء و مُفتين إن يقفوا على الحقّ ، و يقولوا به ، و يردّوا عِلمَ ما اختُلِفَ فيه إلى عالمه .
لتكون السبيل محجّةً بيضاء ؛ كتابًا و سنةً ، مع سلامةٍ في الصدر و المنهج .
ففي ذلك السلامة ، و النجاة من الندامة ، و هذا غاية ما أردت بيانه في رسالتي هذه ، باذلًا في طلب الحق و تقريبه للخلق وسعي ، فإن أصبت فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، و إن أخطأتُ فمِن نفسي و من الشيطان ، و اللهَ تعالى أسألُ أن يغفر زلّتي ، و يقيل عثرتي .
و أفوّض أمري إلى الله ، إنّ الله بصير بالعباد
و الحمد لله ربّ العالمين
و صلّى الله و سلّم على نبيّنا محمّد ، و آله ، و صحبه أجمعين
و كتب
أحمد بن عبد الكريم نجيب
( الملقّب بالشريف )
دَبْلِن ( إيرلندا ) في غرّة جمادى الآخرة عام 1423 للهجرة
الموافق العاشر من يوليو ( تمّوز ) عام 2002 للميلاد
فهرس
الموضوع الصفحة