فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومما يدل أيضًا على تحريم المتعة قوله تعالى:"والذين هم لفروجهم حافظون*إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين" [سورة المؤمنون: 4-5 ، المعارج: 29-30] في موضعين من القرآن، ولم يذكر الله تعالى زواج المتعة, ولو كان حلالًا لذكره هنا، وقال تعالى أيضا:"ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات.."إلى أن قال:"ذلك لمن خشي العنت منكم" [سورة النساء:25] ، أي أن من لم يستطع نكاح الحرة فلينكح الأمة, ولو كانت المتعة جائزة لأرشد إليها، فهي خير من نكاح الأمة، لأن نكاح الأمة يسبب رق الأولاد منها، وخاصة بعد أن ذكر العنت وهو المشقة مع عدم الزوجة، وقال تعالى أيضًا:"وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا حتى يغنيهم الله من فضله" [سورة النور:33] ، ولو كانت المتعة جائزة لأرشد إليها حتى يتيسر النكاح المعروف, وقال تعالى في سياق تعدد الزوجات:"..فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم.." [سورة النساء:3] ، فمن خاف عدم العدل فليتزوج واحدة أو يستمتع بما ملكت يمينه، ولو كانت المتعة حلالًا لذكرها الله سبحانه في هذا الموضع.
ولم يُروَ في جواز المتعة عن أحد من العلماء ممن يعتد به إلا ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنه-، وقد فهم ابن عباس أن الرخصة باقية للمضطر, فعن أبي جمرة قال:"سمعت ابن عباس -رضي الله عنه- يسأل عن متعة النساء فرخص فيها، فقال له مولى له: إن ذلك في الحال الشديدة، وفي النساء قلة ونحوه ، فقال ابن عباس: نعم"كما جاء ذلك عند البخاري، ومع أن ابن عباس لم يحكم بإباحتها مطلقًا وأنه قال هي للمضطر، وقد قيل لابن عباس:"لقد سارت بفتياك الركبان، وقال فيها الشعراء"، يعني المتعة، فقال:"والله بهذا أفتيت وما هي إلا كميتة لا تحمل إلا للمضطر" (6) .
ولكن كبار الصحابة عارضوه في قوله هذا, ولم يعتبروا فتواه، وأنكروا عليه بشدة، كعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه -، وقد قيل له:"إن ابن عباس لا يرى في متعة النساء بأسًا"، فقال:"إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية"، كما جاء ذلك في البخاري، وكذلك أنكر عليه عبد الله بن عمر -رضي الله عنه-، ونقل الترمذي والطبراني أنه رجع عن فتواه هذه أخيرًا .
وقد نقل ابن حجر أيضًا أنه رُوِيَّ رجوعه عن فتواه هذه (7) , ونقل القرطبي عن ابن العربي جزمه بثبوت رجوع ابن عباس عن فتواه في المتعة (8) , وذكر الترمذي بعد حديث علي المعروف في النهي عن المتعة قال:"والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم - وغيرهم, وإنما روي عن ابن عباس شيء من الرخصة في المتعة ثم رجع عن قوله، حيث أُخبر عن النبي-صلى الله عليه وسلم -" (9) .
وقد يكون ابن عباس قبل رجوعه لم يبلغه المنع، حيث كان يبيح متعة النساء ولحوم الحمر الأهلية جميعًا، كما ذكر ابن تيمية (10) ، أو فهم من المنع فهمًا آخر, وهذا وارد في غالب النصوص واختلاف الصحابة موجود ، ولكن العبرة بما وافق النص، وقد انعقد الإجماع بعد ابن عباس على تحريمها من جمع من العلماء، وحكاه غير واحد من أهل العلم، منهم الخطابي، والقاضي عياض، وابن عبد البر، وغيرهم كثير، والعبرة بالدليل وما عليه جماعة الأمة (11) .
والمتعة التي كانت في صدر الإسلام متحققة فيها شروط النكاح الشرعي المعروفة، وهي تعيين الزوجين ورضاهما وتوفر الولي والإشهاد، إلا أن نكاح المتعة يزيد عليه بتحديد مدة للنكاح وأن النكاح ينفسخ بانقضائها، وقد يلتبس نكاح المتعة المنسوخ في أول الإسلام مع ما عليه المذهب الشيعي، لكن المذهب الشيعي لا يشترط الولي ولا الإشهاد على النكاح، وهذا لم يكن موجودًا قط في الإسلام، وقد قال الإمام القرطبي:"من قال المتعة أن يقول لها: أتزوجك يومًا ـ أو ما شابه ذلك ـ على أنه لا عدة عليك ولا ميراث بيننا ولا طلاق ولا شاهد يشهد على ذلك؟! وهذا هو الزنا بعينه، ولم يبح قط في الإسلام"، وقال أيضًا وكل ما حكي عن أن نكاح المتعة قبل النسخ كان بلا ولي ولا شهود ففيه ضعف" (12) ."
وقد قال الله تعالى في أمر الولي:"وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم.." [سورة النور (32) ] ، وقال:"فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن.." [سورة البقرة: 232] ، ولو لم يكن للأولياء حق الولاية لما خوطبوا بذلك، وقد قال الشافعي -رحمه الله تعالى- في هاتين الآيتين: إنهما أصرح آيتين في اعتبار الولي في النكاح (13) .