وهذه المرويات تزخر بها كتب الشيعة، وإن كان بعض فقهائهم يضعفها، إلا أن تواردها على الفقه الشيعي سواء الشعبي منه أم النخبوي، يشكل ضغطًا لا شعوريًا في التوسع في أمر الأبضاع والفروج، والميل إلى ترجيح مسائل من هذا النوع، مما يصعب على المتجرد القول به، كبعض ما ذكر من الأحكام المتعلقة بنكاح المتعة، أضف إلى ذلك مسألة حظ النفس وحب اللذة، والذي يمارس دوره أحيانًا في توجيه الترجيح الفقهي إلى ما تنزع إليه الغريزة، وقد كشف بعض علماء الشيعة التصحيحيين جوانب مظلمة من الممارسات الجنسية، والتي تمارس باسم المتعة، وبممارسة فقهاء الشيعة أنفسهم (31) .
موازنة
مما سبق بيانه حول نكاح المتعة عند السنة والشيعة، يتبين لنا إلى أي حد يفترق العقدان، بل نستطيع أن نقول: هما من باب المشترك اللفظي الذي لايشترك إلا في الاسم فقط، أما الحقيقة فمتباعدان جدًا.
ومع أن الفقه الشيعي استغنى بما يرويه عن أئمة آل البيت في المتعة، إلا أنه ربما شوش على بعض السنة في إباحة المتعة في القرآن، وذلك في قوله تعالى:"فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن.." [سورة النساء: 24] ، على أن هذا الحرف من القرآن يبيح المتعة، وهذا الاستدلال فيه نظر، ويتبين فساد هذا الاستدلال عندما نطلع على الآية كاملة، يقول الله تعالى:"والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلك أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليمًا حكيمًا*ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من عض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أُحصِنَّ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم" [سورة النساء: 24ـ25] ، فالأجور المقصود بها المهور، كما جاء في غير آية من القرآن، كقوله تعالى في شأن جواز نكاح الكتابيات:"اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين" [ المائدة: 5 ] وقال تعالى أيضًا:"يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن ..." [ الأحزاب: 50 ] وقال تعالى في شأن المهاجرات:"يا أيها الذين امنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ..." [ الممتحنة: 10 ] فرتب الله سبحانه وتعالى النكاح على دفع الأجور، وهي: المهور، وطريقة التقديم والتأخير جائزة في اللغة، ويكون المعنى فآتوهن أجورهن إذا استمتعتم بهن أي إذا أردتم ذلك، كما في قوله تعالى:"إذا قمتم إلي الصلاة فاغسلوا …"وها معروف في اللغة .
ومما يبين أن القول في الآية"فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن"لا يعني المتعة كما هي عند الشيعة، بل المقصود به النكاح الشرعي المعروف ، ولذلك قال في الآية التي بعدها وفي نفس السياق:"فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف .."ومعلوم أن النكاح بإذن الأهل، هو: النكاح الشرعي المعروف، الذي لا ينعقد إلا بالولي والشاهدين ، وأما نكاح المتعة فلا يلزم إذن الأهل، ولا يلزم الشهود والإعلان، كما مر تقريره عند علماء الشيعة . ومعنى الآية فما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح، فآتوهن أجورهن، أي مهورهن فإذا جامعها مرة واحدة فقد وجب المهر كاملا ( كما ذكره القرطبي(32) ، أما إذا طلقها قبل أن يستمتع بها ـ أي يجامعها ـ فلها نصف الأجر أي نصف المهر كما قال تعالى:"وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح .." [ البقرة: 237 ] .
ولهذا فاستدلال الشيعة بهذه الآي ليس في محله، والمتعة التي كانت في صدر الإسلام كانت بولي وشهود، ولا ينعقد النكاح إلا بذلك، كما سبق بيانه والاستدلال عليه، ولم يوجد في الإسلام متعة دون ولي أو إشهاد ، أما متعة الشيعة فلا يجب فيها إلا تسمية المهر والأجل، دون ولي ودون إشهاد، وكانت عدة المطلقة من نكاح المتعة، حيضة واحدة، كما هو رأي ابن عباس، وهو الذي كان يقول بها قبل رجوعه (33) ، أما متعة الشيعة فالظاهر من سياق أحكامها ألا عدة فيها على المطلقة.