فهرس الكتاب

الصفحة 2573 من 27345

والحالة الفريدة التي وردت في الرواية ، هي تلك المرأة التي خافت على رضيعها ـ لا على نفسها ـ وحُقَّ لها أن تخاف ، حيث إن ذلك رحمة وشفقة ًلا جُبْنًا وخوفًا ، ولكنها قد أرضعته الإيمانَ والشجاعة والإقدام ، فطلب منها الإقدام فأقدمت .

وإذا كانتِ النفوسُ كبارًا ... ...

تعبتْ في مرادها الأجسامُ

24)أي أمة تلك ؟ وأي قوم أولئك ؟ مع الزمن الطويل الذي عاشوه في الظلام ، والسنوات التي استعبدهم فيها هذا الملك ، ومع قصر المدة التي عرفوا فيها الإيمان فقد عرفوا المنهج حق المعرفة ، وكأنهم عاشوا فيه كما عاش الراهب طول عمره ، أو تربّوا عليه كما تربى الغلام في صباه.

إنه الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب ، ولامس الأرواح يفعل العجب .

لقد رأينا في قصة الراهب وجليس الملك والغلام انتصارًا فرديًا ، ولكننا في قصة أولئك المؤمنين نرى انتصارًا جماعيًا ، قلَّ أن يحدث له في التاريخ مثيلًا كما حدث لسحرة فرعون"فألقي السحرة ساجدين * قالوا آمنا برب العالمين".

إن كل هذه الانتصارات المتلاحقة ثمرة طبيعية لصفاء العقيدة ، ووضوح المنهج ، وسلامة الطريق ، ومن ثم الفهم العميق لحقيقة الانتصار.

فهل يعي ذلك أولئك الذين يروْن أن حياتهم تحت حماية عدوهم بذل واستصغار مع شيء قليل من حطام الدنيا ؛ خير لهم من الموت بشرف وعزّ وكرامة .

مَنْ يهنْ يسهل ِالهوانُ عليه ... ...

ما لجرح ٍبميّتٍ إيلامُ

وصدق عنترة:

لا تسقِني ماءَ الحياةِ بذلّةٍ ... ...

بلْ فاسقني بالعزّ كأسَ الحنظل

25 )وقبل أن نغادر هذه القصة العجيبة يرد سؤال في الأذهان:

ماذا حلّ بهذا الملك وحاشيته وجنده ؟

وهل ذهبت دماء هؤلاء المؤمنين وأرواحهم دون انتقام من الله ممن قتلهم ؟ إننا لا نجد في القرآن ولا في السنة أي ذِكْر لهؤلاء الظلمة ، وماذا كان مصيرهم في الدنيا ، ولله في ذلك حكم قد تخفى علينا . نعمْ ،،، وردتْ آية في آخر قصتهم فيها دعوة لهم وتحذير:"إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق". ولكن سنة الله الجارية"فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقًا علينا نصر المؤمنين"وقال سبحانه لنبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون". وَوعْدُ الله ِالذي لا يتخلف:"إن ربك لبالمرصاد". والعزاء للمؤمنين على مرّ الأجيال:"إنهم يكيدون كيدًا * وأكيد كيدًا * فمهّل الكافرين أمهلهم رويدًا". والحذر الحذر من اليأس والقنوط وسوء الظن بالله:"إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون"،"ولا تحسبنّ الله غافلًا عما يعمل الظالمون"."ولا تحسبنّ الله مخلفَ وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام".

وبعد:

أخي الكريم ، وبعد هذه السياحة في هذه القصة العجيبة ، والجولات البطولية ؛ التي لم يلتبس فيها الحق بالباطل ، ولا النور بالظلام ـ اسأل نفسك بتجرّد:

مَن الذي انتصر في هذه المعركة الفاصلة ؟

أهو المَلِك أم الغلام ؟

هل انتصر الملأ أو المؤمنون ؟

والتاريخ يُعيد نفسَه ، وتتغير الرسوم والأشخاص والدول ، وتبقى الحقائق والثوابت والمبادئ .

"إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين".

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت