فهرس الكتاب

الصفحة 2575 من 27345

فقد كان أيوب عليه السلام عبدًا صالحًا ، امتحنه الله بالغنى فبسط له الرزق الكثير ، ورزقه الأهل والبنين فكان من الشاكرين، وقد ذكر المؤرخون أنه كان أميرًا غنيًا محسنًا، ثم امتحنه الله بالمصائب ، فقد المال والأهل والولد ، ونشبت به الأمراض المضنية المضجرة ، فكان من الصابرين، وتلقى كل ذلك بالحمد والثناء على ربه، وبالتسليم والرضى، فكان في حالتي السراء والضراء مثالًا رائعًا لعباد الله الصالحين ، إذ كان شاكرًا أيام النعمة ، ثم كان صابرًا أيام المصائب المتوالية ، وكانت له امرأة مؤمنة من أحفاد يوسف عليه السلام ، رافقته زمن نعمته وصحته، وزمن بؤسه وبلائه، فكانت في الحالتين مع زوجها شاكرة صابرة. ومن اللطائف في قصة أيوب عليه السلام، أن الشيطان حاول أن يفسد نفسه، فيوسوس له بأن يضجر من المصائب التي تكاثرت عليه، ويتسخط على المقدور ، فلم يظفر الشيطان بما أراد فحاول أن يدخل إليه عن طريق زوجته ، فوسوس لها ، فجائت إلى أيوب وفي نفسها الضجر مما أصابه من بلاء ، وأرادت أن تحرك قلبه ببعض ما في نفسها، فغضب أيوب ، وقال لها: كم لبثت في الرخاء؟ قالت: ثمانين -أي ثمانين عامًا-قال لها: كم لبثت في البلاء؟ قالت سبع سنين. قال: أما أستحيي أن أطلب من الله رفع بلائي، وما قضيت فيه مدة رخائي!! ولما اشتد به الضر، وطال الزمن، وهجره الناس حتى زوجته الوفية، واجتاز فترة الامتحان بنجاح ، فكان عبدًا صبورًا نادى ربه: ? أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ?.

كما قال تعالى: ? وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ? [الأنبياء:83-84]

أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، يبين افتقاره إلى الله تعالى ، لطفًا في السؤال، وحفظًا للأدب في الخطاب. إنه دعاء وتضرع وافتقار ، لا جزع ولا شكاية، ولذا قال سبحانه مثنيًا عليه: ?... إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ? [ ص:44]

فاستجاب الله دعاءه وكشف ما به من ضر وآتاه أهله ومثلهم معهم وعوضه شيئًا كثيرًا. وقد بين الله تعالى لنا في سورة"ص"كيف جاء الفرج إلى أيوب فقال سبحانه: ? وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ? [ص: 41-44] .

لقد أوحى الله إليه أن يضرب الأرض برجله، فامتثل ما أمر به، فأنبع الله له عينا باردة الماء، وأمره أن يغتسل فيها ويشرب منها ، فأذهب الله عنه ما كان يجده من الألم والأذى ، والسقم والمرض الذي كان بجسده ظاهرًا وباطنًا، وأبدله الله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة، وجمالًا تامًا ومالًا كثيرًا، حتى صب له من المال صبًا، فقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثى في ثوبه، فناداه ربه عز وجل: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يارب، ولكن لا غنى لي عن بركتك".. وأخلف الله له أهله وضاعف له العدد.

وفي أثناء مرضه كان قد حلف أن يضرب امرأته مائة سوط على أمر طوى القرآن ذكره، فأنزل الله عليه ما يتحلل به من يمينه فقال له: ? وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ ... ? [ ص:44] أي خذ بيدك حزمة صغيرة من حشيش أو أعواد خفيفة فيها مائة عود أو أكثر، فاضرب به زوجتك، وتحلل بذلك من يمينك.

أيها الأخوة المؤمنون وهكذا يذكر الله لنا أمثلة الصابرين الشاكرين ليكونوا لنا أسوة حسنة نقتدي بهم ، فنصبر مثل صبرهم، أو مثل بعض صبرهم، كلما اقتضت حكمة الله تعالى أن يبتلينا بشيء من مصائب الحياة الدنيا في الأنفس ، أو في الأموال أو الأولاد ، أو في الثمرات ، حتى يكون لنا عنده أجر الصابرين ، ونرتقي عنده إلى منازل المحسنين المقربين العابدين أولو الألباب.

? قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ? [الزمر:10] .

يبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث كثيرة فضل الصابرين على البلاء، ومالهم من أجر عظيم عند الله عز وجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت