فهرس الكتاب

الصفحة 25831 من 27345

إن الذي يعيش الموقف مع هذا الجمهور يشعر أن النبي صلى الله عليه وسلم مع هذه الأمة بمثابة الأب مع أبنائه، يريد ألا يدعهم في آخر لقاءٍ بهم قبل أن يُلقي في آذانهم آخر ما لديه من نصح وحب وإرشاد.

وهذا من تمام حرص النبي صلى الله عليه وسلم على قومه وإخلاصه لهم،"كان يُحس أن هذا الركب سينطلق في بيداء الحياة وحده؛ فهو يصرخ به كما يصرخ الوالد بابنه الذي انطلق به القطار، يوصيه بالرشد، ويذكره بما ينفعه أبدا" [4] .

أفلم تكن تغني ثلاث وعشرون سنة -هي عمر الدعوة في هذا الوقت- عن هذا البيان الأخير؟! ولكن النبي الرءوف الرحيم يريد أن يضع اللمسات الأخيرة، والمبادئ الكلية، وأهداف الرسالة وخلاصتها قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى؛ لتظل هذه التوجيهات، وتلك الصيحات حاضرة في أذهانهم، ترددها آذانهم بعد رسول الله أبد الآبدين.

والحق أن الإخلاص والحرص على هداية الناس هما منهج الأنبياء جميعًا، فكم تكرر في القرآن الكريم على لسان الأنبياء:"فاتقوا الله وأطيعون"،"إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم"،"وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين". وغير ذلك.

وفي هؤلاء الأنبياء جميعًا أسوة للدعاة إلى الله الذين يواجهون المجتمع، ويوجّهون الجماهير إلى الله تعالى.

ثانيًا- جذب الجمهور وتهيئته من أول الخطبة:

وقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم في البداية عبارته الفاجعة:"لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا". وهنا تشرئب الأعناق، وتتطاول الرقاب، وتترقب الآذان ما يُلقَى من وعظ ومن إرشاد.

إن وسائل الجذب وبراعة الاستهلال أول الخطبة ليتهيأ الناس للكلام لا حصر لها، يملكها الخطيب اللبيب من خلال الواقع الذي يموج بأحداث يعيشها الناس، ومن خلال القضايا المثارة في المجتمع، والتي ينبغي أن يكون الخطيب على دراية كاملة بها.

ولم يكن هذا الدرس الهام في بداية خطبة النبي فقط، إنما تخلل مواضع كثيرة منها، فكم قال:"أيها الناس"، وقال:"اسمعوا قولي واعقلوه"، وقال:"فاعقلوا أيها الناس قولي"ثم يرمي بالتبعة على كاهلهم حتى يتنبهوا لخطورة الكلام حين قال:"فإني قد بلَّغت"، وفي النهاية:"اللهم اشهد".

والقرآن الكريم يعلمنا هذا الأسلوب في كثير من سوره: فمرة يبدأ السورة بذكر شيء، ثم يستفهم عنه، ثم يعظِّم من شأنه:"الحاقة * ما الحاقة * وما أدراك ما الحاقة"، وقوله:"القارعة * ما القارعة * وما أدراك ما القارعة"، ومرة يفاجئ الناس بوقائع مرهبة، وأحداث مرعبة:"إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت * وإذا الجبال سيرت..."، ومرة أخرى يثير تساؤلا، ثم يجيب عنه:"عم يتساءلون * عن النبأ العظيم"، ومرة يبدأ بقسم -والقسم يشير إلى أهمية ما بعده- مثل قوله:"ن والقلم وما يسطرون". إلى آخر هذه الوسائل المثيرة للعقل والوجدان معًا.

والخطيب الحاذق هو الذي يتعلم من هذا الكلام المعجز؛ فيوظف أحداث عصره في ذلك، ثم يستهدي الشفاء والدواء من كلام الله ورسوله.

ثالثا- التركيز على المتفق عليه وترك المختلف فيه:

فينبغي ألا تثار قضايا الخلاف على المنبر في حضور هذا التجمع، أو في أي تجمع؛ لئلا يُحدث ذلك اضطرابًا واختلافًا وجدلا بين الناس، وما لأجل هذا جُعلت المنابر، إنما جعلت لتثبيت أركان التوحيد، وتقرير شعائر الإسلام، وتوضيح مبادئه الكلية ومقاصده العامة.

هناك نوعٌ من الخطباء لا ينقصهم الإخلاص بقدر ما ينقصهم حسن الفهم وعمق التجربة يصعدون المنابر -وليتهم لا يصعدون- من أجل إثارة هذه القضايا التي لم ينتهِ الخلاف فيه أزلا، ولن ينتهي الخلاف فيها أبدًا، ويقيمونها مقام أصول الإسلام، ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا؛ فينقسم الناس إلى طوائف يتراشقون ويتشاحنون، وليتهم شغلوا أنفسهم بالمتفق عليه -وهو كثير- أو بقضايا واقعهم المخزي المرير.

إن المتأمل في خطبة الوداع لا يجد فيها إلا أصول الإسلام العامة ومبادئه الكلية التي لا يختلف فيها اثنان.

من يختلف في حرمة دم المسلم وماله وعرضه، وأداء الأمانة؟ أو من يشك في حرمة الربا؟ أو من ينكر حقوق المرأة التي قررها الإسلام؟ أو من يماري في أن الرابطة العليا هي أخوة الإسلام؟ بل من يتكلم في كلمة النبي الجامعة:"تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، أمرًا بينًا: كتاب الله وسنة نبيه".

إن إثارة القضايا الخلافية في تجمعات الناس وجُمعهم لَيُعَدّ نوعًا من السفه الذي يجب أن يترفع عنه الدعاة الذين أقامهم الله مقام الأنبياء ليُضيئوا ظلمات الأرض بنور السماء.

رابعًا- شمول الخطبة أمور الدنيا والآخرة:

من الخطباء مَن يجعل شغله الشاغل وهمه الأكبر الحديث عن عذاب القبر، وعذاب النار، وسخط الله وعقابه، وقضايا الآخرة عمومًا، ويعتبر الحديث عن شئون الدنيا أمرًا ينبغي ألا يكون موضوع خطبة، بل يجب على الخطباء أن يجتنبوه، فإن الخطبة -بزعمهم- تقوم على الوعظ الذي يشمل التخويف والترهيب وحسب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت