وفي خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يلقي التبعة عليهم -بعد أن بلغ ما عليه- بأنهم سيلقون ربهم، ويسألهم عن أعمالهم، وكم تكرر في خطبته الجامعة:"اللهم هل بلغت؟"، فتردد الجماهير:"اللهم اشهد".
وهذا بالطبع لا يتنافى مع شعور الداعية بالأسف والحزن على ما به قومه من ضلالة، وأنهم على غير الصراط المستقيم، فقد كان صلوات الله عليه أوضح مثَل لذلك، حتى أنزل الله عليه يواسيه ويخفف عنه:"فلعلك باخعٌ نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا" (الكهف: 6) وقوله:"لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين" (الشعراء: 3) .
والداعية يسير بهذا الحرص على قومه، ويرجو الله أن يهديهم، لكنه لا يقنط ولا ييأس إن استجابت له قلة، أو لم يستجب له أحد؛ فلقد مكث نوحٌ عليه السلام في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وما آمن معه إلا قليل.
المهم أنه أدى ما عليه، وبلَّغ ما أناط الله بعنقه، وأشهد الله وأشهدهم على ذلك، كما فعل مؤمن آل فرعون، وقد سلك مع قومه كل سبيل، ثم قال في النهاية:"فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله" (غافر: 44) .
[1] السيرة النبوية لابن هشام: 6 (/8ـ11) دار الجيل. بيروت. طـ أولى. 1411هـ. بتحقيق طه عبد الرؤوف سعد، رواها ابن هشام عن ابن إسحاق بغير إسناد، وقد جاء إسنادها في أحاديث متفرقة، فقد جاءت في الصحيحين عن أبي بكرة، ولمسلم عن جابر رواية جامعة، وفي سنن الترمذي وابن ماجة عن عمرو بن الأحوص، وغيرها من كتب السنة. وحسبنا ما قاله ابن حجر العسقلاني في مقدمة"لسان الميزان"وهو يتحدث عن فضل الاشتغال بعلم الحديث موردًا بعض ما جاء في خطبة الوداع:"فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع.."، قال عن الخطبة:"وقد بلغت حد التواتر"راجع لسان الميزان: (1/3) بيروت. طـ ثالثة. 1406هـ.
[2] إنما قال النبي ذلك؛ لأن ربيعة كانت تُحرم رمضان وتسميه رجبًا، فبين أنه رجب مضر لا رجب ربيعة، وأنه الذي بين جمادى وشعبان.
[3] عوانٍ: جمع عانيه، وهي الأسيرة.
[4] فقه السيرة للشيخ الغزالي: 505. بتخريج الشيخ الألباني. دار الدعوة. طـ ثانية. بدون تاريخ.
[5] وحي القلم: (2/247) .
[6] إشارة إلى الآية 34 من سورة النساء.
[7] مع الله دراسات في الدعوة والدعاة: للشيخ الغزالي: 273. دار الكتب الإسلامية. طـ سادسة 1405هـ.
[8] السابق: 272