فهرس الكتاب

الصفحة 25842 من 27345

من القدوة؟ كنت أنظر إلى جيل أهل الفن والتمثيل أنهم هم القدوات، وكانت تشدني أشخاصهم وتأخذ بنفسي، بل إن هذه العواطف لم تبق حبيسة النفس فانعكست آثارها على مظهري فصار لباسي، وقصة شعري، وحذائي، وحقيبتي، بل كل ما أقتنيه صار ذلك معرضًا متنقلًا لمقتنياتهم. وبعد أن هداني الله شعرت أن حياة هؤلاء عالم آخر وجحيم لا يطاق، وهذا نموذج يصور حالتهم: الممثلة الراحلة -كما يقال- (مارلين منرو) نالت المال الذي تستطيع أن تحصل به على كل شيء، والشهرة التي جعلت اسمها وصورتها تملأ صحف العالم، والجمال الذي يشد أنظار الرجال إليها ويجذبهم نحوها، لقد وجد المحقق الذي درس قضية انتحار هذه الممثلة الشهيرة رسالة محفوظة في صندوق الأمانات في بنك منهاتن في نيويورك، فتح المحقق الرسالة وجدها مكتوبة بخط مارلين منرو نفسها وهي موجهة إلى فتاة تطلب نصيحة مارلين عن الطريق إلى التمثيل فتقول في رسالتها إليها: احذري المجد، احذري كل من يخدعك بالأضواء، إننى أتعس امرأة على هذه الأرض، لم أستطع أن أكون أمًا، إنى امرأة أفضل البيت أفضل الحياة العائلية على كل شيء، إن سعادة المرأة الحقيقية في الحياة العائلية الشريفة الطاهرة، بل إن هذه الحياة لهي رمز سعادة المرأة بل الإنسانية. نعم هذه المرأة التي تجعلها فتيات المسلمين قدوة لها، أما أنا فكان لي شأن آخر، ورأيت بعد أن هداني الله أن قدوتي ليست في الساقطات، إنما في أولئك الصالحات اللاتي سطرن صفحات بيضاء في التاريخ. هاهي امرأة صالحة يثني عليها تبارك وتعالى في كتابه، بل يضرب بها المثل للمؤمنين. (( وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا لّلّذِينَ آمَنُواْ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنّةِ وَنَجّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ ) ) (التحريم:11) . ويشهد لها أصدق الناس بشهادة خالدة، فعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال قال رسول الله r: « كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» . لقد حاولت أن أضع كل تلك الأوسمة وألوان الثناء، وعبارات المديح والإعجاب التي يتلقاها النجوم في كفة، وأضع هذه الشهادة من رب الناس أجمع، والشهادة من النبي صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم في كفة أخرى. فرأيت أنه لا مجال للمفاضلة، بل إنه من سوء الأدب أن تقارن هذه التزكية الشرعية بآراء البشر وأهوائهم، وأين يأتي الثرى من الثريا؟ ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا روى ابن جرير عن سلمان -رضي الله عنه- قال: كانت امرأة فرعون تعذّب بالشمس. فإذا انصرف عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة. وروى القاسم بن أبي بَزّة، قال: كانت امرأة فرعون تسأل من غلب؟ فيقال: غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت بربّ موسى وهارون فأرسل إليها فرعون، فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في السماء، فمضت على قولها، فانتزع الله روحها، وأُلقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح. إنها لم تكن امرأة عادية «فقد كانت امرأة فرعون أعظم ملوك الأرض يومئذ، في قصر فرعون أمتع مكان تجد فيه امرأة ماتشتهي، ولكنها استعلت على هذا بالإيمان، ولم تعرض عن هذا العَرَض فحسب بل اعتبرته شرًا ودنسًا وبلاءً تستعيذ بالله منه، وتتفلت من عقابيله، وتطلب النجاة منه، وهي امرأة واحدة في مملكة عريضة قوية...ولكن هذه المرأة وحدها في وسط ضغط المجتمع، وضغط القصر، وضغط الملك، وضغط الحاشية، والمقام المملوكي، في وسط هذا كله رفعت رأسها إلى السماء» قائلة (( ونجني من فرعون وعمله ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت