وجاء في الحديث"إن أمامكم أياما الصابر فيها على دينه كالقابض على الجمر للعامل فيها أجر خمسين رجلا يعمل مثله عمله".
وروى ابو داود الطيالسي مرفوعا:"أمتي كالمطر لا يدرى أوله خيرأم آخره"
فهؤلاء الذين عضوا على دينهم بالنواجذ في أزمنة الغربة أولها وآخرها وما بين ذلك جمعهم جامع الغربة في إيمانهم لكثرة الكفاروصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم,فالأواخر إذا أقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفسق والهرج والمعاصي والكبائر كانوا عند ذلك أيضا غرباء,وزكت أعمالهم كما زكت أعمال أوائلهم.
قال القاضي أبو بكر بن العربي""
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بابٌ عظيم هو ابتداء الدين والإسلام، وهو أيضًا انتهاؤه، وقد كان قليلًا في ابتداء الإسلام، وصعب المرام، لغلبة الكفّار على الحق، وفي آخر الزمان أيضًا يعود كذلك، لوعد الصادق، صلّى الله عليه وسلّم، بفساد الزمان، وظهور الفتن، وغلبة الباطل، واستيلاء التبديل والتغيير على الحق من الخلق، وركوب من يأتي سنن من مضى من أهل الكتاب، كما قال، صلّى الله عليه وسلّم:"لتركبنّ سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبٍ خربٍ لدخلتموه"وقال، صلّى الله عليه وسلّم:"بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ"فلا بد، والله تعالى أعلم بحكم هذا الوعد الصادق، أن يرجع الإسلام إلى واحد، كما بدأ من واحد، ويضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى إذا قام من قائم مع احتواشه بالمخاوف وباع نفسه من الله تعالى في الدعاء إليه كان له من الأجر أضعاف ما كان لمن كان متمكّنًا منه معانًا عليه بكثرة الدّعاة إلى الله تعالى."اه"
وهذا الذي قاله القاضي أبوبكر رضي الله عنه,في أن الإسلام يرجع إلى واحد كما بدأ من واحد يحتمله قول النبي صلى الله عليه وسلم"ثم يعود غريبا كما بدأ"وهذا إنما يكون في آخر الدنيا أما قبل ذلك فلا
قال الأستاذ الحافل أحمد بن تيمية رضي الله عنه:"ويحتمل أنه في آخر الدنيا لا يبقى مسلما إلا قليل.وهذا إنما يكون بعد الدجال ويأجوج ومأجوج عند قرب الساعة.وحينئذ يبعث الله ريحا تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة ثم تقوم الساعة,وأما قبل ذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق,لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم,حتى تقوم الساعة"وهذا الحديث في الصحيحين."
ثم قال"فقد أخبر الصادق المصدوق أنه لا تزال طائفة ممتنعة من أمته على الحق أعزاء لا يضرهم المخالف و لا خلاف الخاذل.فأما بقاء الإسلام غريبا ذليلا في الأرض كلها قبل الساعة فلا يكون هذا."اه
والواجب على المومن إذا رأى تغير الأحوال وتغول أهل الضلال واستفحال الشر والزيغ,وكثر الطاعنين في الملة من الملحدة ومرضى القلوب,الواجب عليه أن يصبر ويحتسب,مع التوكل والثبات على دين الإسلام,وأن يومن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وأن العاقبة للتقوى.وهو منهي عن الجزع وأن ينوح كما ينوح أهل المصائب,ويستغفر لذنبه ويسبح ربه بالغدو والإبكار.فان وعد الله حق. والله نسأل أن يعلي بفضله كلمتي الحق والدين,ويذل بقدرته وقيوميته أهل الفساد الظالمين.