فهرس الكتاب

الصفحة 2592 من 27345

لقد بدأ الله - سبحانه وتعالى - إعداد رسوله صلى الله عليه وسلم للدعوة منذ صغره، حيث اصطفاه من خيار قريش نسبًا ثم جعله صادقًا أمينًا هينًا لينًا حتى لا ينفض الناس عنه قبل سماع دعوته. وعندما بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته جمع قريش وقال لهم"أرأيتم إن حدثتكم أنّ العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، قال:"فإني نذير لكم من بين عذاب شديد" (1) . وقد قالوا قولهم هذا لأنهم ما عهدوا عليه كذبًا أو سوء خلق، وهذه هي القاعدة الأولى للداعية التي أوضحها الله لنا في رسوله، فيجب أن يتصف من يدعو لله سبحانه وتعالى بحسن الخلق والصدق سواء أن كان شخصًا أم دولة. وأذكر في هذا الخصوص حادثة صغيرة حدثت في محطة"يوستن"بلندن وأنا أجلس على أحد مقاعد المحطة، وعلى مقربة مني تجلس امرأة إنجليزية تقارب الستين عامًامن عمرهاولم تمر لحظات حتى رأيت شابًا أفريقيًا، حليق الرأس والذقن يضع على رأسه قبعة ويرتدي"جاكيت وبنطلون"ويحمل في يديه كوبًا من الشاي وبالأخرى أغراضًا له، وجلس هذا الشاب بقرب تلك المرأة وحياها وبدأ حديثًا عامًا معها وبعد قليل سألها عن دينها فقالت انها مسيحية فقال لها بأنه مسلم وليس هنالك فرق بين الإسلام والمسيحية وأننا نعبد نفس الإله مع وجود اختلافات. فسألته من أين هو؟، فأجاب بأنه""ثم سألته عما أتى به لإنجلترا، فقال لها بسبب الحروب الدائرة في بلاده"بين المسلمين"ثم راح يحدثها عن الإسلام وهي تجيب عيله باقتضاب وامتعاض يعرف معناه كل من عاشرهم لمدة، فلسان حالها يقول: مالي وإسلامك الذي فعل بك ما فعل!."

وهكذا فإن مصداقية حديثه عن الإسلام قد كذبها واقعه وحاله وواقع بلاده، فما كان من تلك المرأة إلا أن تنصرف عنه. ومعظم المسلمين الموجودين بالغرب والشرق كانوا يعكسون أسوأ صورة للإسلام وللمسلم، وإن كان حالهم الآن قد تغير كثيرًا في اتجاه الإسلام الحق.

والخارج من بلاد الإسلام يجد مللًا كثيرة لا تختلف عما كان عليه حال البشر العقائدي في بدايات رسالة الإسلام. وكان البشر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقسمون للأقسام العقائدية الآتية:

1-مؤمنون بمبدأ الألوهية ووجود الخالق

أ - المسلمون:

-مؤمنون

-منافقون (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) [الحجرات:14] ، (بشر المنافقين بأن لهم عذابًا أليمًا) [النساء:138] .

ب - الكفار:

-أهل الكتاب: (واذكر كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير) [البقرة: 109] .

-المشركون: عبدة الأصنام: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون) [التوبة: 17] .

-عبدة الشياطين والنار والأشخاص: (وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فأجعل لي صرحًا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين) [القصص: 38] .

2-غير مؤمنين بمبدأ الألوهية أو وجود الخالق:

(وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون) [الجاثية:4] .

ورغم أن أعداد البشر الآن قد بلغت أكثر من"6"مليار نسمة فإننا نجد أنهم لم يختلفوا كثيرًا في أقسامهم العقائدية، وأنّ حوالي ربعهم من المسلمين وربعهم من أهل الكتاب، والبقية إما أنهم لا يؤمنون بالله البتة أو أشركوا به. بمعنى آخر فإنّ الله سبحانه وتعالى في مخاطبته للبشر في القرن السابع الميلادي كان يعلم بأن خطابه عز وجل سيكون مستمرًا لنفس الفئات إلى يوم القيامة.

ومن هذا الكم الهائل من البشر الذين لا يؤمنون بالله نسبة كبيرة تتخذ من الداروينية وغيرها ذريعة جدلية للتهرب من حقيقة وجود الخالق، وربما مجموعة كبيرة ممن يطلق عليهم أهل الكتاب قد كفروا بالله واتبعوا تفسير هذه النظرية هروبًا من رجالات دينهم.

وقد حاول كثير من المنظمات والأفراد خوض سبل الدعوة في بلاد الغرب والشرق الكافرة، ولكن مازالت ثمار مجهوداتهم ضعيفة للغاية؛ والمستوى العلمي والاقتصادي لأهل تلك البلاد يتطلب دراية أكبر بأحوالهم وطرق النقاش معهم حتى يمكن للمسلم توصيل وجهة نظره، وهذا بلا شك يستدعي العمل على إزالة الحواجز لإيصال كلمة المولى عز وجل لخلقه، وإعداد ما استطعنا من قوة لذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت