فهرس الكتاب

الصفحة 25932 من 27345

إذن فمن الناحية التاريخية المحضة (في حدود علمى) لا يوجد بين أيدينا دليل على أن أبا مريم كان يدعى:"يواقيم"أو"عمران"أو أى اسم آخر، ومن ثم كان من التنطع المسارعة بتخطئة القرآن. أقول إن هذا هو الموقف من الناحية التاريخية المحضة، بيد أن هذا الموقف لا يقفه إلا من يتناول المسألة تناولا باردا كأنه آلة من الآلات التى لا تستطيع أن تفكر من تلقاء نفسها، وليس عنده طريق آخر يسلكه. وفي حالتى أنا وأمثالى ممن يؤمنون بصدق القرآن وعصمته، لا بناءً على إيمان موروث بل استنادًا إلى بحثٍ استغرق سنواتٍ وسنواتٍ سعيتُ فيها حثيثًا وراء معرفة مصدره، وتحليل مضمونه وجوّه الروحى، والمقارنة بين لغته ولغة الحديث النبوى، وكذلك المقارنة بينه وبين الكتاب المقدس في الموضوعات المشتركة بينهما لمعرفة أيهما المصيب وأيهما المخطئ في حالة وجود اختلاف لا يمكن التوفيق بينهما فيه، والنظر في كل اتهام أو تشنيع وُجِّه إليه من قِبَل من لا يؤمنون به، بل ودراسة"دائرة المعارف الإسلامية"التى وضعها المستشرقون وبثوا فيها كل أفكارهم وآرائهم ونظرياتهم في القرآن والرسول والإسلام بوجه عام وتأليف كتاب كامل تناولتُ فيه كل ما قالوه في تلك الموسوعة وتوصلتُ إلى أنه كله كلام فارغ لا أساس له...إلخ، وهو ما خرجتُ منه بأن القرآن هو كلام الله وأن محمدا صلى الله عليه وسلم هو رسول من عنده سبحانه وتعالى، فهو لم يكن كاذبا مدَّعيا ولا واهما مخدوعا ولا مصابا بأى مرض نفسى مما يتهمه به الأفاكون المضللون. وقد سجلتُ كل ذلك في عدد من كتبى ودراساتى ليطّلع عليه القراء ويشاركونى رحلتى في هذا البحث. وعلى هذا فإنى موقن بأن ما قاله القرآن الكريم من أن"مريم"هى ابنة"عمران"هو حق لا يمكن التشكيك فيه. وهذا ما انتهى إليه فكرى وعقلى وسعيى الحثيث الدؤوب بعد أنْ لم آلُ جهدا في هذا السبيل، ثم يوم القيامة نمثل كلنا أمام الدَّيّان ليحاسبنا على مدى اجتهادنا وإخلاصنا. وأملنا في كرمه ورحمته واسع كبير يكافئ عظمته وبِرّه ومقدرته، والله من وراء القصد، وهو الهادى إلى سواء الصراط!

وبعد، فقد كان هذا تحليلا علميا متأنيا لإحدى الدعاوى التى يطنطن المبشِّرون ويُجْلِبون بها على العامّة وأشباههم يحاولون أن يوهموهم أن في القرآن أخطاء، ومن ثم فلا هو معصوم ولا هو من عند الله. ولا شك أن القارئ الكريم قد تبين له الآن أن الأمر ليس بالسذاجة التى يظن هؤلاء المتاعيس المناحيس أنها يمكن أن تُغْنِىَ عن العلم الصحيح، ولاحظ كيف أن التنقيب والتفتيش قد انتهيا بنا إلى أن كل ما قالوه وأَجْلَبوا به لا يزيد على أن يكون رصاصة من ذلك الرصاص الفِشِنْك الذى يَخُضّون به الأطفال. وهذه كل بضاعتهم التى لا يستطيعون أن يجدوا غيرها مستغلين المآسى الاقتصادية التى تمر ببعض البلاد الإسلامية فيتخذها هؤلاء الشياطين فرصة لبث سمومهم الوثنية والضحك على العامّة وأشباههم بمثل تلك المزاعم التى لا يستطيع العَوَامّ أن يعرفوا وجه الحق فيها. وهدفهم من وراء ذلك هو تشكيك عوام المسلمين على الأقل إن لم يستطيعوا أن يَخْتِلُوهم عن دينهم! وقد أرسل إلىّ مشكورًا الصَّدِيقُ المغربىُّ الأستاذ حسن السرّات (الذى عرفته بالمصادفة عن طريق المشباك منذ أسابيع) مقالا بالفرنسية عن التنصير في الجزائر، لافتًا نظرى إلى الأخطار التى تهدد هذا البلد العربى المسلم من جرّاء ذلك. وقد قرأت المقال فور وصوله، فوجدت أن ما يحدث في الجزائر هو هو نفسه ما يحدث في المغرب مما تناوله مقال آخر بالفرنسية كان قد بعث به إلىّ أيضا الأستاذ السرّات من قبل وقمتُ بترجمته ونشرتُه في بعض المواقع المشباكية: فالدجل التبشيرى هنا هو الدجل التبشيرى هناك، والمزاعم المضحكة عن صلاح أخلاق المسلم بعد تنصره هنا هى نفسها هناك، وتحويل بعض المنازل في السر إلى كنائس هنا هو نفسه هناك، واستغلال الجهل والفقر هنا هو نفسه هناك، والغاية التى يتغياها المبشرون هنا هى نفسها هناك، ألا وهى تحويل المغرب العربى إلى النصرانية مرة أخرى بعد أن أنعم الله على شعوبه بنعمة التوحيد الطاهر الكريم. والأمر الآن إلى الشعوب العربية المسلمة حكاما ومحكومين: فهل ترضى تلك الشعوب بهذا الذى يجرى وتترك هؤلاء اللصوص يسرقون عقائد عوامّها وفقرائها في الظلام مستغلين فقرهم وجهلهم، أم هل تنظر في هذا الخطر الماحق فتضع له الخطط التى تكفل وقفه والقضاء عليه قبل أن يستفحل ويتحول إلى سرطان يلتهم عقيدة الأمة وروحها وضميرها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت