عالمية الإسلام، وأنه دعوة إسلامية لكل الإنسانية، هو دين الله إلى الناس كافة، ورسالته عالمية بكل ما تحمله معاني العالمية ،" قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا" [سورة الأعراف 158] . ورسول هذا الدين العالمي بعث إلى كافة البشر"وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون" [سورة سبأ 28 ] ، وإنما كانت دعوة هذا الدين عالمية، لأنه جاء لتحرير البشرية كلها من الانحرافات والضلالات والعبوديات لغير الله، ولم يكن الإسلام يومًا من الأيام خاصًا بقبيلة أو جنس أو طائفة، وإنما هو دين الله إلى الناس كافة. ولأنه دين مشتمل على منهج حياة متكامل في جميع مناحي الحياة، لم يكن هذا المنهج ناتجًا عن ردة فعل لسوء أوضاع بيئة معينة، كما هو شأن المناهج البشرية الوضعية، وإنما هو منهج عام شامل كامل، أراده الله ليكون للبشرية جمعاء في كافة ديارها وشتى أقطارها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وعلى كل أحد أن يصدق محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به، ويطيعه فيما أمر تصديقًا عامًا وطاعة عامة، وقد بعث الله رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بأفضل المناهج والشرائع، وأنزل عليه أفضل الكتب، وأرسله إلى خير أمة أخرجت للناس، وأكمل له ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة، وحرم الجنة إلا على من آمن به وبما جاء به، ولم يكن يقبل من أحد إلا الإسلام) (7) .
الوقفة الثالثة:
تتجلى عظمة الإسلام وشموليته وعالميته في جوانب كثيرة من التشريعات، منها جانب تنظيم العلاقات، سواء في علاقة المسلمين بربهم، أو علاقة بعضهم ببعض، أو علاقتهم بالآخرين ممن لم يعتنقوا دينهم على أي وجه كان، وصدق الله إذ يقول: ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين" ( سورة النحل - 89) ، وقد جاء تنظيم العلاقة مع الآخرين في منتهى الروعة والكمال والجلال، في كافة شؤون الحياة، وفي مختلف الظروف والأحوال سواء في حال الحرب، أو في حال السلم، وسواء كانوا أهل ذمة أو مستأمنين أو معاهدين أو حربيين أو مرتدين، نظمها تنظيمًا دقيقًا راعى فيه تحقيق المصالح والعدل، وحفظ حق الدين والإنسان، ومن أتي في شئ من هذا الباب، فإنما أتي لعدم تنزيله النصوص على الأشخاص أو الأحوال على وجهٍ صحيحٍ."
الوقفة الرابعة:
تعاملات المسلمين مع الكفار - وبالأخص في هذا الزمن - لا يلزم أن تمثل منهج الإسلام في التعامل معهم، لأن نظرات الناس وتصوراتهم نحو العلاقة بالكفار متباينة، كما أن واقعهم الفعلي متفاوت بين انفتاح وانغلاق، وبين انقباض وانبساط، من المسلمين اليوم من لا يفرق بين الكافر الحربي، وبين الذمي والمستأمن، ويرى أن العلاقة معهم جميعًا، قائمة على العنف والغلظة والمباينة المطلقة في كل معاملة، حتى في العقود المالية، والبيع والشراء، ولربما استند من هذا شأنه إلى قول الله تعالى:" محمد رسول الله والذين معه، أشداء على الكفار" [سورة الفتح 29] وإلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه" (8) ."
ومنهم من يرى أن العلاقة بالكافر كالعلاقة بالمسلم في الجملة، وهذا الفهم يكثر عند من يعيش من المسلمين في أحضان الكفار، بسبب الانصهار في مجتمعاتهم، والاندماج في بيئاتهم .
كما يوجد هذا التمييع والتفريط عند بعض المسلمين في بلاد الإسلام بسبب الجهل أو رقة الديانة، أو الإعجاب بالكفار وا لانبهار بحضارتهم، ولذلك وجدنا من المسلمين اليوم من ينادي بالمساواة بين الأديان السماوية، وعدم التفرقة بين اليهودية والنصرانية والإسلام، والمؤمن المنصف يعرف - بداهة - تساقط هذين الرأيين، فأما الرأي الأول المتبني للغلظة والعنف مطلقًا، فهو يتنافى مع سمو الإسلام وسماحته وعالميته، ويتنافى أيضًا مع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه، وعموم تعاملات النبي صلى الله عليه وسلم وتعاملات صحابته مع اليهود والمشركين تثبت تهافت هذا الرأي وسقوطه من ذلك:
1-قصة الرهط من اليهود الذين دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليكم، فرد"وعليكم"فقالت عائشة - رضي الله عنها:"وعليكم السام واللعنة"فقال صلى الله عليه وسلم"مهلًا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله (9) ."
2-ولما قيل له صلى الله عليه وسلم ادع على المشركين قال:" إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة" (10) ."
3-ولما قدم طفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله إن دوسًا عصت وأبت فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس قال: اللهم اهد دوسًا وات بهم"وفي رواية قال:"لا ينبغي لصديق أن يكون لعانًا (11) .
وأما حديث" لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا وجدتموهم في طريق، فاضطروهم إلى أضيقه" (12) ."