فهرس الكتاب

الصفحة 25961 من 27345

يجب اعتبار حال المسلمين في القوة والضعف، وحال ظروف زمانهم، وملابسات قضاياهم، والنظر في مصالحهم الكبرى، وبذل الجهد في دفع المفاسد العظمى عنهم .

ولذلك نجد القرآن زاخرًا وحاشدًا بالآيات التي فصلت العلاقة بالكفار، وراعت أحوال الظروف والمواطن والزمن واتخذت المواقف المتناسقة معها، والمتأمل في ذلك يلحظ أن هذه المواقف جاءت على مرحلتين:

المرحلة الأولى: العهد المكي، وجملة الموقف منهم يتلخص في:

أ - المفاصلة الشعورية و تنافر القلوب بين المؤمنين والكافرين .

ب- الهجر الجميل، أو المقاطعة للكفار .

كما في قوله تعالى:"فاصبر على ما يقولون واهجرهم هجرًا جميلًا" [سورة المزمل 10] .

ج- أمر المؤمنين بالصبر على الأذى .

كما في الآية السابقة، وكما في قوله تعالى: واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون" [سورة النحل 127] ."

د - الأمر بالعفو والصفح .

كما في قوله تعالى: فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون [ سورة الزخرف 89] .

هـ- الأمر بكف اليد وعدم القتال .

كما في قوله تعالى:"ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب" [سورة النساء 77] (18) . الآية .

و - الاستمرار في الدعوة والنذارة، كما في قوله:"فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين" [سورة الحجر 94] .

المرحلة الثانية: العهد المدني:ويتلخص الموقف في:

أ - تمييز المسلمين واستقلالهم في إقليم، وإعلان وحدتهم، ولذلك تكاملت التشريعات والأحكام العملية مع قصر هذا العهد .

ب- المواجهة مع الكفار، بالقوة البيانية، والقوة الاجتماعية، والقوة المادية .

ج- تشريع الجهاد .

وبه تحددت العلاقة مع الكفار على اختلافهم إلا أن هذا التشريع جاء على مراتب كما ذكر ابن القيم- رحمه الله - (19) ، وقد روعي في هذه المراتب واقع حال المسلمين وظروفهم وإمكانياتهم، ثم استقر أمر الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول"براءة"على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة .

د-منع موالاة المؤمنين للكافرين مطلقًا.

الوقفة السادسة:

لا بد من معرفة أنواع الكفار من حيث علاقة المسلمين بهم وأنهم:

1-إما أهل عهد .

2-وإما من ليس له عهد .

وأهل العهد ثلاثة أصناف:

أ - أهل الذمة (20) :

وهم الذين يعطون عقدًا مستمرًا للبقاء في دار الإسلام إذا أعطوا الجزية والتزموا أحكام الإسلام .

ب- المستأمنون:

وهم الذين يعطون عقدًا مؤقتًا للبقاء في دار الإسلام لغرض شرعي، كسماع كلام الله، أو تجارة أو سفارة .

ج- أهل الصلح والهدنة:

وهم الكفار الذين بينهم وبين دولة الإسلام عهد، إما عهد هدنة، وهو الاتفاق على إيقاف الحرب لمدة معلومة، وإما معاهدة مطلقة (21) .

والذين لا عهد لهم صنفان في الجملة:

أ - إما كفار أصليون محاربون (22) :

وهم الذين لا عهد لهم ولا ذمة، سواء أكانوا محاربين فعلًا أم لا، فإن من ليس له عهد لا يستبعد منه الحرب للمسلمين .

ب - وإما مرتدون عن الإسلام (23) .

هذه هي أنواع الكفار من حيث علاقة المسلمين بهم، ومسألة هل الأصل في علاقة المسلمين بالكفار السلم أو الحرب شامل لجميع هذه الأنواع السابقة .

والآن قد حان الشروع إلى المقصود وأقول مستعينًا بالله:

اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:

القول الأول:

أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو الحرب، وبهذا قال كثير من علماء المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة (24) .

واستدل أصحاب هذا القول بأدلة كثيرة من القرآن والسنة والمعقول .فأما الأدلة من القرآن فهي على نوعين:

النوع الأول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت