فهرس الكتاب

الصفحة 25969 من 27345

والعبرة عنده بحسن النية والإخلاص وبذل الوسع ، وهى أمور في متناول كل إنسان ، فلا قرابين ولا مُحْرَقات ولا إيمان بأشياء لا تدخل العقل بل تُعْنِت الضمير وتغرق الإنسان في حيرة وبلبلة وتدفعه لمدابرة المنطق . فأين البدوية والتخلف هنا ، وما جاء به الإسلام يتفوق تمام التفوق على كل ما كان معروفا آنذاك وحتى الآن من عقائد وأديان سواء على مستوى الفكر أو الشعور أو الضمير ؟ ليس هذا فحسب ، بل إنه يترك الإنسان رغم ذلك لاختياره ، فإن شاء آمن ، وإن شاء كفر ، وحتى لو لم يؤمن فليس العقاب الأخروى بواقع عليه ضربة لازب، إذ إن المجتهد مأجور حتى لو أخطأ ، وما دام الحق قد عُمّىَ عليه ولم يبزغ له نوره رغم بذله الجهد وإخلاصه في رغبة الوصول إليه فإن رحمة الله قريب من عباده المجتهدين المخلصين .

كذلك فالعقاب الأخروى لم يكن معروفا عند العرب ، اللهم إلا نفرا قليلا لا تأثير له في حياتهم .أما في الإسلام فهناك حساب وثواب وعقاب وجنة ونار ، والإنسان ليس كمًّا مهملا في الكون يأتى إلى الدنيا ويموت ثم ينتهى أمره عند هذا الحد كما تنتهى الحيوانات العجماء.

وفى المجتمعات البدوية نجد أن ولاء الفرد إنما يكون دائما لقبيلته ، كما أن مفهوم الخير والشر مفهوم قبلى ، فالشر الذى يوقعه الإنسان بواحد من غير قبيلته لا يُعَدّ شرا ، وعلى أبناء القبيلة أن يهبوا لنصرة أى منهم ظالما كان أو مظلوما . كذلك كان التفاخر بالأنساب القبلية بينهم جامحا أشد الجموح ، وكانت المنافرات جزءا من نسيجهم القِيمِىّ والاجتماعى لا يَرَوْن الدنيا إلا من خلاله ، فكأن القبيلة هى كل شىء ولا وجود لأى شىء آخر وراء حدودها .

ثم لما بزغت شمس الإسلام كانت هذه المفاهيم والقيم الغبية الضيقة من أول ما انهال عليه بمعول هدمه ، إذ نادى بأعلى صوته أن ليس لقرشى أى فضل على غير القرشى ولا للعربى على العجمى ، واسِمًا الدعوة إلى العصبيات القبلية بأنها منتنة ، ومُحِلاََّ أُخُوّة الإسلام العالمية محل الأخوة القبلية ، ورافضا أن بعتدى المسلم على غير المسلم دون وجه حق لأنهما إن كانا مختلفين في الدين فإن رابطة الإنسانية تجمع بينهما ، علاوة على الروابط الاجتماعية التى ينبغى عليه أيضا مراعاتها في التعامل معه بالمودة والحسنى ما دام لم يؤذه أويهدده ، وموجبا كذلك عليه أن يكف أخاه عن الظلم إذا هم به أو شرع فيه ، مفهما إياه أن هذا هو المعنى الجديد لنصرة الظالم التى كانت العقلية القبلية تفهمها على نحو مخالف تماما.

لقد انتزع الإسلامُ الإنسانَ العربىَّ من تلك الدائرة الضيقة إلى آفاق أرحب وأسمق وأهدى سبيلا . لقد نقله من القبلية إلى الإنسانية والعالمية في خطوة واحدة سابحا بكل قوة ونبل وجسارة عكس التيار الذى كان سائدا في بلاد العرب أوانذاك .فأين الفكر البدوى المتخلف كما تقول ببغاواتنا القصيرة العقل الطويلة اللسان ؟

والله إن كانت هذه هى البداوة فإننى أول المتبدّين ، إذ لا يُعْقَل أن أهجر كل هذا النبل والسموق الفكرى والوجدانى والأخلاقى وأجرى لأكون في خدمة الغربى الأنانى المتحجر القلب الذى لا يرى لغير الرجل الأبيض أى حق في الحياة الحرة الكريمة لأن الدنيا في زعمه الشيطانى المريض إنما خُلِقَتْ له هو وحده . الحق أنه لا يفعل ذلك إلا الببغاوات التى رُكّبَت عقولها في آذانها لا في رؤوسها،

فهى تحصر نفسها في الكلمات ، وتؤمن أو تكفر لا بِناءً على ما يؤديها إليه عقلها بل بناءً على ما يحمّله المغرضون للكلمات من معان لا حقيقة لها. إن هذه هى عبودية الفكر والضمير ، وهى أسوأ وأمقت من عبودية الجسد وأدل على انحطاط الجِبِلّة ، لأن الإنسان قد يكون عبدا بجسده ولكنه سيد بفكره ووجدانه ، على العكس من ببغاواتنا المتصايحة دون عقل أو كرامة!

ثم لقد كان العرب ينتفضون إلى الحرب لأتفه سبب مدمرين أنفسهم في صراعات عبثية في أكثر الأحوال ، فجعل الإسلام لحياتهم معنى وربطهم بالسماء وبقيم البناء والتقدم والحضارة حتى لقد أصبحوا بناة إمبراطورية في غضون سنوات قلائل ، إمبراطورية احتلت مكان الصدارة العالمية لقرون طوال ،على حين كانت أوربا أثناءها تعيش عيشة همجية في كل مناحى الحياة تقريبا ، أوربا التى تصدّع أدمغتنا الآن هى وأذنابها من ببغاواتنا باتهام الإسلام بالبداوة والتخلف !

والله إن هذه قلة أدب قبل أن تكون شيئا آخر !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت