ويخبر تبارك وتعالى أنه امتن على نبيه صلى الله عليه وسلم بالرفق واللين فقال عز وجل [فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك] ، ويمن سبحانه على المؤمنين بأن بعث لهم هذا النبي الذي يتصف بهذه الصفات العظيمة [ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم] .
ثالثاً: شهادة أصحابه له بحسن الخلق
وها هم أصحابه -رضي الله عنهم- الذي صحبوه في السراء والضراء، والظعن والإقامة، وعاشروه في كل أحواله، هاهم يشهدون له بأنه أحسن الخَلْق خلقاً، فيقول البراء رضي الله عنه:كان الرسول صلى الله عليه وسلم أحسن البشر وجهاً، وأحسنهم خلقاً، ويصفه أنس بن مالك -رضي الله عنه- بقوله: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا، فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس ثم ينضح، ثم يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقوم خلفه فيصلي بنا، وكان بساطهم من جريد النخل. متفق عليه. وسئلت عائشة - رضي الله عنها - عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:ألست تقرأ القرآن؟ كان خلقه القرآن
رابعاً: إخباره بأنه بعث ليتم مكارم الأخلاق
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"بعثت لأتمم صالح الأخلاق"وهذا يعني أن الخلق له منزلة عظيمة في دين الله.
إن الخلق والسلوك عند بعض المسلمين بل عند بعض طلبة العلم يأتي في مرتبة متأخرة وللأسف، ويشعر هؤلاء أن مجرد حفظ المسائل العلمية وإتقانها هو وحده ما يحتاجه طالب العلم، وحين الحديث عن الخلق وعن الهدي والسمت والسلوك يشعر هؤلاء أن هذا حديث الوعاظ، وأنه حديث ينبغي أن يوجه إلى عامة الناس وليس طلبة العلم ، فطلبة العلم إنما يُحدَّثون بقال فلان وفلان، وفي المسألة حديثان أو ثلاثة أقوال، وهو مجال لا ينبغي أن يقلل أحد من شأنه، لكن أن نتصور أن أبواب الخلق والآداب ليست من شأننا أو أنها قضية ثانوية فهذا أمر لا يليق.
لقد كان سلف الأمة يعنون بهذا الجانب، وكان أحدهم يرحل في الأدب الواحد السنة والسنتين، وكانوا يتعلمون الأدب كما يتعلمون الحديث، ويقول أحدهم كنا نأتي مسروقاً فنتعلم من هديه وسمته ودله، ويقول ابن وهب ما تعلمت من أدب مالك أكثر مما تعلمت من علمه، وكانوا يوصون طالب العلم بوصية بقولهم:
أيها طالباً علماً ائت حماد بن زيد
فاكستب علماً وحلماً ثم قيده بقيد
ودع الفتنة من آثار عمرو بن عبيد
بل في تصانيفهم المتقدمة ما يدل على علو شأن الأدب والسلوك، أليسوا صنفوا في أدب العالم والمتعلم وآداب طالب العلم وما ينبغي أن يتصف به، صنفوا في ذلك كتباً مستقلة وما كان أولئك يعانون من فراغ أوقات لا يدرون بم يصرفونها, فعنايتهم بذلك دليل على أهمية ذلك الأمر وعلو شأنه في دين الله عز وجل كيف لا وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق ، فما دام رسول الله قد بعث لذلك فلا بد أن تكون سيرته وحياته ناطقة شاهدة بذلك, وها هي أخباره وأحواله تشهد بذلك.
وقد كان صلى الله عليه وسلم يدعو ربه أن يرزقه حسن الخلق، ويدعوه تبارك وتعالى أن يحسن خلقه، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:"اللهم أحسنت خلقي فأحسن خلقي"، وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه المشهور في قيام الليل"اللهم أهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها فلا يصرف سيئها إلا أنت"وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم مجاب الدعوة.
وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل ربه أن يحسن خلقه فنحن أحوج ما نكون إلى ذلك، ونحن صباح مساء نقع في الأخطاء ونرى أن كثيراً من مواقفنا تشهد وتنطق بأننا أحوج ما نكون إلى التحلي بمكارم الأخلاق وأن نتعلم حسن الخلق.
وإذا كان صلى الله عليه وسلم يأمر بمكارم الأخلاق وهو أول من يمتثل ما يأمر به صلى الله عليه وسلم كيف لا وهو قد حذرنا وحذر أمته من أن يقول أحدهم ما لا يفعل، وهو القائل صلى الله عليه وسلم:"يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان، ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه"متفق عليه.
خامساً: دعوته إلى مكارم الأخلاق في مبدأ دعوته
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما بلغ أبا ذر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء واسمع من قوله ثم ائتني، فانطلق الأخ حتى قدمه وسمع من قوله ثم رجع إلى أبي ذر فقال له رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاما ما هو بالشعر…."متفق عليه."