فهرس الكتاب

الصفحة 26196 من 27345

والحقيقة الرابعة: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ { فإذا استثمر العبد ما منحه الله في معصيته وتكذيب رسله؛ أسرعت إليه العقوبات في الدنيا والآخرة، وإذا بذل ما يملكه في سبيل الله تجاوز الله عما يحدث منه من سهوٍ أو تقصير؛ لأنه غفور رحيم ... فيا بؤساً لأولئك الذين ضيعوا عقولهم الكبيرة هدراً في دراسات عقيمة لا تنفع في دين, ولادنيا, وما أكثرهم ... ويا خسارة أولئك الذين طاوعهم البيان, فصاغوه قصائد غزل سخيف, غير عفيف ... يا حسرةً على العباد ! و كم يحز في النفس, ويملأ القلب أسى وكمداً: أن كثيراً من ذوي الكفاءات, والمواهب البارزة من الصالحين قد عبث بهم الشيطان، وزين لهم القعود عما أوجب الله عليهم: تارة باسم الزهد في المنصب والجاه، وتارة باسم إيثار الخمول والبعد عن الشهرة، وتارة باسم الخوف من الرياء، وتارة بحجة عدم الكفاءة وأنه يوجد من هو أفضل مني وأجدر ... ولو أتيت هذا القاعد المتثاقل, وتسللت إليه بالحديث رويداً رويداً لحدثك عن: فساد الأحوال وقلة الرجال ، وكثرة الأدعياء ، وخلو الساحة ، وتفاقم الخطب! فسبحان الله ! لمن تركت الساحة إذاً يا عبد الله ؟ ألا ترى أنه صار فرض عين عليك وأنت تأنس في نفسك قدوة في مجال ما أن تبدأ الطريق ، وتدع عنك التعليلات الواهية ؟! أو لست تقرأ في صلاتك وتقول في دعواتك: } رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [74] سورة الفرقان فهل يجدر أن يدعو المرء بهذه الدعوة, ثم يعمل على خلافها ؟ لقد علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نبذل الأسباب التي نستطيعها في تحصيل ما نريد, ثم ندعو الله تعالى؛ ولذلك لما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم فتح مكة وضع العساكر, والحرس على أنقاب المدينة لئلا يتسرب الخبر إلى مكة, وبذل جميع الأسباب المادية الممكنة, ثم توجه إلى الله بالدعاء أن يعمي الأخبار عن قريش .

ومما يذكر عن عمر رضي الله عنه أنه رأى إبلاً جرباء, فسألهم: ماذا تصنعون لعلاج هذه الإبل؟ قالوا: عندنا عجوز صالحة نذهب إليها, فتدعو لها ! فقال رضي الله عنه: اجعلوا مع دعاء العجوز شيئاً من القطران ... إن ساحة العلم الشرعي والدعوة تشهد نقصاً شديداً ينذر بالخطر، ولا غرابة حينئذ في تصدر الأدعياء والمشبوهين, أو على الأقل: تصدر غير المؤهلين ممن طبعوا على حب الظهور ... وإنه لورع عجيب, غريب .. أفليس من الورع أن يفعل الإنسان ما يشتبه بالواجب ؟ أو ما يشتبه بالمستحب؟ فيقوم بالتعليم والدعوة والخطابة خشية أن يكون شيء من ذلك واجباً متعيناً عليه؟ أم أننا صرنا في عصر القعود ، وأصبحنا نفسر الورع: بالترك .. ترك ما يشتبه بالحرام أو يشتبه بالمكروه ؟! من محاضرة: واجعلنا للمتقين إماما للشيخ/ سلمان العودة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت